فهرس الكتاب

الصفحة 2992 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 284

بَيْضٌ مَكْنُونٌ الصّافّات: 48، 49

يلاحظ أوّلا: أنّ البياض يلحظ في جميع الموارد، إلّا أنّه في بعضها حقيقة وفي بعضها كناية، كما سترى.

ثانيا: جاء الفعل ثلاث مرّات، ماضيا مرّتين ومضارعا مرّة:

الأولى: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ، جاءت في شأن يعقوب لكثرة بكائه على فراق يوسف، وبياض العين كناية عن العمى النّاشئ من كثرة البكاء؛ حيث غلب البياض سواد العين فعمي.

وهاهنا بحوث:

1 -قال: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ، ولم يقل: عميتا، فلم يسنده إلى العمى- وهو عيب- تكريما له، ولأنّه لم يكن في الحقيقة عمى، وإنّما كان حجابا من رؤية غير يوسف.

وهذا يحكي مدى حبّه ليوسف، وكأنّه ما أعطي البصر إلّا لينظر إلى وجه ابنه الحبيب يوسف، فلمّا حرم من لقائه وحال الفراق بينهما انطمس بصره، لأنّه لا شي ء أشدّ على الأحباب من رؤية غير المحبوب عند فراقه.

2 -استمرّ بياض عينه حتّى استعدّ للقاء يوسف، ولم ينقشع إلّا بقميص يوسف بعد ثمانين شهرا- كما جاء في الأخبار- وهذا رمز آخر إلى شدّة العلاقة بين الأب والابن؛ حيث فقد بصره بفراقه، وردّ إليه قبيل لقائه.

3 -ردّ بصره بقميص يوسف وقميصه هو ما أتى به إخوانه ملطّخا بدم كذب، وكان بداية حزنه عليه، وكان للقميص دور في بقاء يوسف في السّجن بضع سنين.

لكنّه متعدّد في المواقف الثّلاث وليس قميصا واحدا لاحظ"ق م ص".

4 -وهناك رمز ثالث إلى مدى تلك العلاقة، وهو قوله: (من الحزن) ، أي لم يكن بياض العين لمرض ألمّ بها، بل للحزن على الفراق، ويصدق الحزن عند غياب المحبوب، فلو لم يطمس بصره، ورأى النّاس ولم ير يوسف بينهم، لازداد حزنه وتضاعف، ولا نقلب إلى حزنين، حزن فراق المحبوب، وحزن لقاء غير المحبوب، فمنّ اللّه عليه، وهوّن عليه الحزنين، إلّا أنّه غير مؤبّد، بل إلى انتهاء عذاب الفراق، وتجدّد عذب الوصال.

5 -وقد أبدى يعقوب حزنه على فراق يوسف مرّتين: مرّة عند بدء الفراق؛ حيث اقترح عليه إخوة يوسف أن يرسله معهم يرتع ويلعب، فقال لهم: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ يوسف: 13. ومرّة عند اشفاقهم عليه أن يكون حرضا أو يكون من الهالكين لكثرة ذكره يوسف، فقال: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ... يوسف: 86.

6 -إنّ يعقوب مع شدّة حزنه على فراق يوسف فقد كظمه في المرّة الأولى، ولم يظهره للنّاس. فلم ير النّاس من يعقوب خلال تلك الأيّام والشّهور سوى كثرة بكائه وابيضاض عينيه، أمّا ما انطوى عليه قلبه وامتلأ به صدره من الحزن فلم يعلمه إلّا اللّه، ولهذا شكاه إلى اللّه دون غيره. وهذا باب كبير من اتّكاله على اللّه، ورجائه منه، واعتماده على لطفه ورحمته، واستغنائه عن غيره.

7 -وهناك نكتة أخرى ذكرها أبو عليّ الدّقّاق؛ حيث قارن بين بكاء يعقوب وبكاء داود عليهما السّلام، فقال:"إنّ يعقوب بكى لأجل مخلوق وهو يوسف، فذهب بصره، وداود بكى لأجل اللّه، فبقي بصره".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت