فهرس الكتاب

الصفحة 3030 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 322

ففي المرّة الأولى أعلن أنّ بيعتهم النّبيّ مبايعة اللّه، وأنّ يد اللّه كانت فوق أيديهم حينما وضع النّبيّ يده على أيديهم. وهذا تعظيم بالغ لهم وللنّبيّ؛ حيث جعل يده يد اللّه، وضعها على أيديهم، وكفى به شرفا لهم.

ومن أجل ذلك كرّر فعل (يبايعونك) ، فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ، في سياق الحصر ب (انّما) ، أي ليست تلك البيعة سوى بيعة مع اللّه مبالغة.

ثمّ ختمها بقوله: وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا، وهذا أجرهم في الآخرة، وذاك أجرهم في الدّنيا.

أمّا المرّة الثّانية فأعلن في (2) في سياق مؤكّد لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، عالما بما في قلوبهم من صدق النّيّة، فكافأهم بجائزتين معنويّتين في الدّنيا: إحداهما إنزال السّكينة عليهم، وثانيتهما الفتح المبين القريب، وهو الصّلح الّذي عقد بين المؤمنين وقريش، وقد تكفّلت سورة الفتح وتفسيرها ببيان آثار هذا الصّلح المبين.

هذه جائزتهم في الدّنيا، أمّا في الآخرة فبوعدهم أجرا عظيما.

ثانيا: جاءت في (3) مبايعة المؤمنات النّبيّ، وهناك بون شاسع بين البيعتين بأمور:

1 -رغم أنّ المبايعة فيها كانت من طرف المؤمنين والمؤمنات، أي أنّهم الّذين بايعوا النّبيّ من عند أنفسهم وبرضى منهم بهذه المبايعة، إلّا أنّ ما بايعوه عليه مختلف، يناسب حال كلّ من الرّجال والنّساء، فالمبالغة من قبل الرّجال في الآيتين مطلقة، لم يذكر متعلّقها على الرّغم من تكرارها فيهما ثلاث مرّات، وجاءت مرّة رابعة مطلقه أيضا في (1) بلفظ (ما عاهد عليه اللّه) وهذا يحكي عن طاعتهم الشّاملة في كلّ الأمور للنّبيّ عليه السّلام، إلّا أنّها حسب الرّوايات كانت على الصّمود والمقاومة أمام الخصم وعلى القتال حتّى الموت.

أمّا مبايعة النّساء فكانت على أن لا يشركن باللّه- وهذا أصل الإيمان- وعلى أن لا يزنين- وكانت الفاحشة شائعة بينهنّ في الجاهليّة- وأن لا يقتلن أولادهنّ- وكانت عادة شائعة أيضا- وأن لا يأتين ببهتان بين أيديهنّ وأرجلهنّ- وهو أن يفترين على أزواجهنّ بأنّ أولادهنّ من الزّنى هم أولادهم- وأن لا يعصين النّبيّ في معروف.

2 -إنّ مبايعة الرّجال لم يأت بها أمر من اللّه، بل انعقدت بينهم وبين النّبيّ بدعوة منه صلّى اللّه عليه وآله ورضي اللّه بها، أمّا مبايعة النّساء- وإن بدأت منهنّ- فقد أمر اللّه النّبيّ بقبولها وبمبايعتهنّ؛ حيث قال: إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ ... فَبايِعْهُنَّ، وهذه منقبة لهنّ.

3 -لقد عظّم اللّه مبايعة الرّجال بأمور: كرّرها ثلاث مرّات، بلفظ المبايعة، ومرّة بلفظ المعاهدة- كما سبق- وصفها بأنّها مبايعة اللّه، وأعلن رضاه عنهم، ووهبهم السّكينة، والفتح في الدّنيا والأجر العظيم في الآخرة. أمّا مبايعته النّساء فقد كافأهنّ أوّلا بأمر النّبيّ بمبايعتهنّ، وثانيا بأن يستغفر لهنّ، وثالثا بوعدهنّ بأنّ اللّه غفور رحيم.

4 -قد كرّرت المبالغة في الآيات مرّات: ثلاثا للرّجال ومرّتين للنّساء، والمبايعون فيها جميعا النّاس إلّا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت