فهرس الكتاب

الصفحة 3219 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 511

وعندنا أنّ الضّمير في (علوا) تابع للضّمير في (يتبّروا) الرّاجع إلى القوم الغالبين، لتوالي الضّميرين واختلاف مرجعهما بعيد عن السّياق. هذا من ناحية اللّفظ، أمّا من ناحية المعنى فالعلوّ يناسب حال القوم الغالبين دون القوم المغلوبين، ولو أريد وصف حالهم لاقتضى القول:"ما بنوا"لا"ما علوا". على أنّ"علوا"فعل لازم، وصف للقوم أنفسهم لا لما بنوه، وكون الفعل اللّازم بمعنى المتعدّي- أي"ما أعلوه"- خلاف ظاهر اللّفظ، ولا شاهد عليه، فالوجه الثّاني مرجوح، بل مدفوع.

وبقي التّرجيح بين الوجوه الثّلاثة الأخرى، والضّمير فيها جميعا راجع إلى القوم الغالبين، فهل (ما) موصولة، مفعول للفعل (يتبّروا) - أي ليدمّروا ما علو وغلبوا عليه، فيحتاج إلى تقدير"عليه"- أو ليدمّروا وقت علوّهم أو حال كونهم عالين، فلا يحتاج إلى تقدير"عليه"؟ ونحن نفضّل هذا، لكن بمعنى"ما دام علوّهم"، وله نظائر في الاستعمال، فتكون (ما) مصدريّة، مثل:

"ما دام". ولعلّه مراد الطّوسيّ؛ حيث قال:"مدّة علوّهم، وكذا مراد الميبديّ؛ حيث قال:"ما استطاعوا وملكوا"."

ثمّ بدا لنا وجه آخر في (ما علوا) ، ولعلّه المتعيّن من خلال الآيات المتقدّمة عليه: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا* فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما ... فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا الإسراء: 4 - 7، فقوله: (ما عَلَوْا) إشارة إلى (وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا) ، أي يدمّروا ويقطعوا علوّهم واستكبارهم الّذي ارتكبوه وحصّلوه مع الإفساد، فتكون (ما) مصدريّة، والضّمير يرجع إلى (بنى اسرائيل) دون الّذين غلبوهم، والفعل (علوا) لازم لا يحتاج إلى تقدير"عليه".

رابعا: فسّر الطّباطبائيّ قوله: لِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا بإهلاك النّفوس وقتلها، وهدم الأبنية وحرق الأموال، وخصّه غيره بهدم الأبنية، وهو الظّاهر، وإن كان يستلزم عادة إهلاك النّفوس، إلّا أنّه ليس تفسيرا للآية، والشّاهد له ما تقدّم في تفسير (ما علوا) . وهذا عكس الآية (1) : وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا، فإنّها صريحة في إهلاك النّفوس واستئصالها، ويستلزمه هدم الأبنية، هذا مع استيعاب اللّغة للمعنيين: الإهلاك والتّدمير، إلّا أنّه لكلّ منهما مقام.

خامسا: أنّ (هؤلاء) في (3) : إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ، اسم (انّ) ، أي عبدة الأصنام، و (متبّر) اسم مفعول، خبر (انّ) ، و (ما) موصولة، نائب فاعل له، و (هم فيه) أي الأمر الّذين هم واقعون فيه، وفاعلون له، وهو الأصنام وعبادتها، والمعنى أنّ أصنامكم تكسّر أو عبادتهم لها تهدم. هذا ما يقتضيه السّياق، ولكنّهم اختلفوا فيها اختلافا يسيرا:

1 -مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ خبر مقدّم ومبتدأ مؤخّر، أي ما هم فيه متبّر، قال الزّمخشريّ: تقديم (هؤلاء) و (متبّر) وسم لعبدة الأصنام بأنّهم المعرّضون للتّبار حقيقة، تحذيرا لهم.

2 -عبدة الأصنام طريقتهم هالكة وأعمالهم باطلة، قاله الطّباطبائيّ، وهذا قريب ممّا ذكرنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت