المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 333
والعدوان)، وبين (التّعاون بالبرّ والتّقوى) بعينها في آية"5"حيث وقع التّقابل بين (التّناجي بالبرّ والتّقوى) و (التّناجى بالإثم والعدوان) و (معصية الرّسول) . وإنّما أضيفت هنا معصية الرّسول من دون بديل لها في الجانب المقابل لأنّ نجواهم- كما نصّت الآية الّتي سبقتها- كانت في (معصية الرّسول) ؛ وهي خطيئة وعصيان له فيما يأمر وينهى في الأمور العامّة، باعتبار كونه وليّ أمر المسلمين وأنّ طاعته مفروضة عليهم، وهو منصب له، بغضّ النّظر عن كونه مبلّغا عن اللّه. وإنّ آيات طاعة الرّسول كلّها راجعة إلى هذا المنصب- لاحظ"ط وع"- فكان التّنبيه على كونه معصية الرّسول لازما، وكان تكراره حسنا.
وأمّا وجه عدم ذكر المقابل لها في الجانب الآخر فلأنّ (البرّ والتّقوى) - بما لهما من الشّمول- يغنيان عن كلّ بديل.
وخامسا: جاءت (التّقوى) مع (الإثم) في"2 و5"وفي آيتين أخريين:
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ
البقرة: 203
وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ
البقرة: 206
وذلك لأنّ الإثم- كما قلنا- خروج عن الطّاعة وإطلاق للهوى، والتّقوى خلافه، وهو حاجز نفسيّ، رادع له، فلا إثم لمن اتّقى، ومن أثم فعليه أن يتّقي.
الثّالث- جاء (الإثم) عقيب الكسب أو الاكتساب في آيات:
1 -إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ الأنعام: 120
2 -لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ
النّور: 11
3 -وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ النّساء: 111
4 -وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا النّساء: 112
والكسب عبارة عن السّعي وراء الشّي ء والاهتمام به ليصل به وينتفع منه، ففيه معنى الاهتمام والسّعي فلا إثم فيما لا اهتمام به ولا تعمّد إليه. ومن هنا أخذت الأشاعرة- الذّاهبون إلى أنّ أفعال العباد هي فعل اللّه وأنّهم مجبورون عليها- اصطلاح"الكسب"فرارا من الجبر، وهو عندهم إتيان العمل على نحو يتّصف بالحسن أو القبيح، فهذا هو فعل العبد وهو معاقب أو مثاب عليه، وأمّا أصل الفعل عندهم فهو فعل اللّه. وهذا القول لا ينطبق على كثير من الآيات.
وأمّا الاكتساب ففيه وراء السّعي والاهتمام معنى الكلفة وتحمّل المشقّة في سبيل الإثم، وهذا أحد معاني باب"الافتعال". ولعلّه إشارة إلى أنّ ارتكاب الإثم خروج عن الفطرة الإنسانيّة الّتي فطرها اللّه عليها، وحركة قسريّة، فهو عب ء لا يستساغ حمله وتحمّله، وفيه إشعار بشدّة العقوبة وفداحتها قهرا.
الرّابع- جاء التّعبير بالإثم متعدّيا ب (على) في آيات:
1 -فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ
البقرة: 181