فهرس الكتاب

الصفحة 3356 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 647

على التّجارة وعلى الجماهير.

فالتّجارة وسيط نافع بين الصّناعة والمستهلك؛ تقوم بترويج البضاعة وتسويقها؛ ومن ثمّ تحسينها وتيسير الحصول عليها معا، وهي خدمة للطّرفين، وانتفاع عن طريق هذه الخدمة، انتفاع يعتمد كذلك على المهارة والجهد، ويتعرّض في الوقت ذاته للرّبح والخسارة.

والرّبا على الضّدّ من هذا كلّه، يثقل الصّناعة بالفوائد الرّبويّة الّتي تضاف إلى أصل التّكاليف، ويثقل التّجارة والمستهلك بأداء هذه الفوائد الّتي يفرضها على الصّناعة. وهو في الوقت ذاته- كما تجلّى ذلك في النّظام الرّأسمالي عند ما بلغ أوجه- يوجّه الصّناعة والاستثمار كلّه وجهة لا مراعاة فيها لصالح الصّناعة، ولا لصالح الجماهير المستهلكة، وإنّما الهدف الأوّل فيها زيادة الرّبح للوفاء بفوائد القروض الصّناعيّة، ولو استهلكت الجماهير موادّ التّرف ولم تجد الضروريّات! ولو كان الاستثمار في أحطّ المشروعات المثيرة للغرائز، المحطّمة للكيان الإنسانيّ.

وفوق كلّ شي ء، هذا الرّبح الدّائم لرأس المال؛ وعدم مشاركته في نوبات الخسارة- كالتّجارة- وقلّة اعتماده على الجهد البشريّ الّذي يبذل حقيقة في التّجارة، إلى آخر قائمة الاتّهام السّوداء الّتي تحيط بعنق النّظام الرّبويّ؛ وتقتضي الحكم عليه بالإعدام؛ كما حكم عليه الإسلام.

فهذه الملابسة بين الرّبا والتّجارة، هي الّتي لعلّها جعلت هذا الاستدراك، إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ يجي ء عقيب النّهي عن أكل الأموال بالباطل، وإن كان إستثناء منقطعا كما يقول النّحويّون.

الطّباطبائيّ: في الآية شبه اتّصال بما سبقتها؛ حيث إنّها تتضمّن النّهي عن أكل المال بالباطل، وكانت الآيات السّابقة متضمّنة للنّهي عن أكل مهور النّساء بالعضل والتّعدّي، ففي الآية انتقال من الخصوص إلى العموم. [إلى أن قال:]

وفي تقييد قوله: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بقوله:

بَيْنَكُمْ الدّالّ على نوع تجمّع منهم على المال، ووقوعه في وسطهم إشعار أو دلالة بكون الأكل المنهيّ عنه بنحو إدارته فيما بينهم، ونقله من واحد إلى آخر بالتّعاور والتّداول، فتفيد الجملة أعني قوله: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بعد تقييدها بقوله: بِالْباطِلِ النّهي عن المعاملات النّاقلة الّتي لا تسوق المجتمع إلى سعادته ونجاحه، بل تضرّها وتجرّها إلى الفساد والهلاك، وهي المعاملات الباطلة في نظر الدّين كالرّبا والقمار، والبيوع الغرريّة كالبيع بالحصاة والنّواة، وما أشبه ذلك.

وعلى هذا فالاستثناء الواقع في قوله: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ، استثناء منقطع، جي ء به لدفع الدّخل، فإنّه لمّا نهى عن أكل المال بالباطل- ونوع المعاملات الدّائرة في المجتمع الفاسد الّتي يتحقّق بها النّقل والانتقال المالي كالرّبويّات والغرريّات والقمار وأضرابها باطلة بنظر الشّرع- كان من الجائز أن يتوهّم أنّ ذلك يوجب انهدام أركان المجتمع وتلاشي أجزائها، وفيه هلاك النّاس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت