فهرس الكتاب

الصفحة 3355 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 646

وقد علمت أنّ الجمهور على أنّ الاستثناء منقطع، أي إنّ المقام مقام الاستدراك لا الاستثناء، والمعنى:

لا تكونوا من ذوي الطّمع الّذين يأكلون أموال النّاس بغير مقابل لها من عين أو منفعة، ولكن كلوها بالتّجارة الّتي قوام الحلّ فيها التّراضي، فذلك هو اللّائق بأهل الدّين والمروءة، إذا أرادوا أن يكونوا من أهل الدّثور والثّروة.

وقال البقاعيّ: إنّ الاستدراك لا يجي ء في النّظم البليغ بصورة الاستثناء، أي الّذي يسمّونه الاستثناء المنقطع إلّا لنكتة. وقال: إنّ النّكتة هنا هي الإشارة إلى أنّ جميع ما في الدّنيا من التّجارة وما في معناها من قبيل الباطل، لأنّه لا ثبات له ولا بقاء، فينبغي أن لا يشتغل به العاقل عن الاستعداد للدّار الآخرة الّتي هي خير وأبقى.

وفي الآية من الفوائد أنّ مدار حلّ التّجارة عن تراضي المتبايعين، والغشّ والكذب من المحرّمات المعلومة من الدّين بالضّرورّه، وكلّ ما يشترط في البيع عند الفقهاء فهو لأجل تحقيق التّراضي من غير غشّ، وما عدا ذلك فلا علاقة له بالدّين. [ثمّ حكى عن البقاعيّ كلاما في أنّ النّهي عن إتلاف النّفس كالنّهي عن إتلاف المال، فلاحظ] . (5: 42)

المراغيّ: أي لا تكونوا من ذوي الأطماع الّذين يأكلون أموال النّاس بغير مقابل لها من عين أو منفعة، ولكن كلوها بالتّجارة الّتي قوام الحلّ فيها التّراضي؛ وذلك هو اللّائق بأهل المروءة والدّين، إذا أرادوا أن يكونوا من أرباب الثّراء.

وفي الآية إيماء إلى وجوه شتّى من الفوائد:

1 -أنّ مدار حلّ التّجارة على تراضي المتبايعين، فالغشّ والكذب والتّدليس فيها من المحرّمات.

2 -أنّ جميع ما في الدّنيا من التّجارة وما في معناها من قبيل الباطل الّذي لا بقاء له ولا ثبات، فلا ينبغي أن يشغل العاقل عن الاستعداد للآخرة الّتي هي خير وأبقى.

3 -الإشارة إلى أنّ معظم أنواع التّجارة يدخل فيها الأكل بالباطل، فإنّ تحديد قيمة الشّي ء، وجعل ثمنه على قدره بالقسطاس المستقيم يكاد يكون مستحيلا، ومن ثمّ يجري التّسامح فيها إذا كان أحد العوضين أكبر من الآخر. [ثمّ ذكر بقيّة الكلام نحو محمّد عبده] (5: 17)

سيّد قطب: وهو استثناء منقطع، تأويله: ولكن إذا كانت تجارة عن تراض منكم فليست داخلة في النّصّ السّابق. ولكن مجيئها هكذا في السّياق القرآني، يوحي بنوع من الملابسة بينها وبين صور التّعامل الأخرى، الّتي توصف بأنّها أكل لأموال النّاس بالباطل، وندرك هذه الملابسة إذا استصحبنا ما ورد في آيات النّهي عن الرّبا- في سورة البقرة- من قول المرابين في وجه تحريم الرّبا:

إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا البقرة: 275. وردّ اللّه عليهم في الآية نفسها: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا البقرة:

275، فقد كان المرابون يغالطون، وهم يدافعون عن نظامهم الاقتصاديّ الملعون، فيقولون: إنّ البيع- وهو التّجارة- تنشأ عنها زيادة في الأموال وربح، فهو- من ثمّ- مثل الرّبا، فلا معنى لإحلال البيع وتحريم الرّبا.

والفرق بعيد بين طبيعة العمليّات التّجاريّة والعمليّات الرّبويّة أوّلا، وبين الخدمات الّتي تؤدّيها التّجارة للصّناعة وللجماهير، والبلاء الّذي يصبه الرّبا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت