فهرس الكتاب

الصفحة 3354 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 645

ومن هذه الآية الكريمة احتجّ الشّافعيّ على أنّه لا يصحّ البيع إلّا بالقبول، لأنّه يدلّ على التّراضي نصّا، بخلاف المعاطاة، فإنّها قد لا تدلّ على الرّضا ... [ثمّ ذكر مخالفة الجمهور في ذلك، ونقل أقوال الفقهاء في بعض شرائط البيع وأحكام المعاطاة، فراجع:] (2: 253)

الآلوسيّ: [نحو الزّمخشريّ وأضاف:]

وجوّز أن يراد بها انتقال المال من الغير بطريق شرعيّ، سواء كان تجارة أو إرثا أو هبة، أو غير ذلك من استعمال الخاصّ وإرادة العامّ.

وقيل: المقصود بالنّهي: المنع عن صرف المال فيما لا يرضاه اللّه تعالى، وبالتّجارة: صرفه فيما يرضاه، وهذا أبعد ممّا قبله. (5: 15)

محمّد عبده: قالوا إنّ الآية دليل على تحريم ما عدا ربح التّجارة من أموال النّاس- أي كالهديّة والهبة- ثمّ نسخ ذلك بآية النّور المبيحة للإنسان أن يأكل من بيوت أقاربه وأصدقائه، وهو افتراء على الدّين لا أصل له- أي لم تصحّ روايته عمّن عزي إليه- إذ لا يعقل أن تكون"الهبة"محرّمة في وقت من الأوقات ولا ما في معناها كإقراء الضّيف، وإنّما يكون التّحريم فيما يمانع فيه صاحب المال، فيؤخذ بدون رضاه أو بدون علمه، مع العلم أو الظنّ بأنّه لا يسمح به.

وإنّما استثنى اللّه التّجارة من عموم الأموال الّتي يجري فيها الأكل بالباطل، أي بدون مقابل، لأنّ معظم أنواعها يدخل فيها الأكل بالباطل، فإنّ تحديد قيمة الشّي ء وجعل عوضه أو ثمنه على قدره بقسطاس الحقّ المستقيم عزيز وعسير إن لم يكن محالا.

فالمراد من الاستثناء: التّسامح بما يكون فيه أحد العوضين أكبر من الآخر، وما يكون سبب التّعاوض فيه براعة التّاجر في تزيين سلعته وترويجها بزخرف القول، من غير غشّ ولا خداع ولا تغرير كما يقع كثيرا، فإنّ الإنسان كثيرا ما يشتري الشّي ء من غير حاجة شديدة إليه، وكثيرا ما يشتريه بثمن يعلم أنّه يمكن ابتياعه بأقلّ منه من مكان آخر، ولا يكون سبب ذلك إلّا خلابة التّاجر وزخرفه، وقد يكون ذلك من المحافظة على الصّدق واتّقاء التّغرير والغشّ، فيكون من باطل التّجارة الحاصلة بالتّراضي، وهو المستثنى.

والحكمة في إباحة ذلك التّرغيب في التّجارة، لشدّة حاجة النّاس إليها، وتنبيه النّاس إلى استعمال ما أوتوا من الذّكاء والفطنة في اختبار الأشياء، والتّدقيق في المعاملة حفظا لأموالهم الّتي جعلها اللّه لهم قياما أن يذهب شي ء منها بالباطل، أي بدون منفعة تقابلها.

فعلى هذا يكون الاستثناء متّصلا، خرج به الرّبح الكثير الّذي يكون بغير غشّ ولا تغرير، بل بتراض لم تنخدع فيه إرادة المغبون، ولو لم يبح مثل هذا لما رغب في التّجارة، ولا اشتغل بها أحد من أهل الدّين على شدّة حاجة العمران إليها وعدم الاستغناء عنها؛ إذ لا يمكن أن تتبارى الهمم فيها مع التّضييق في مثل هذا.

وقد شعر النّاس منذ العصور الخالية بما يلابس التّجارة من الباطل، حتّى إنّ اليونانيّين جعلوا للتّجارة والسّرقة إلها أو ربّا واحدا، فيما كان عندهم من الآلهة والأرباب، لأنواع المخلوقات وكلّيّات الأخلاق والأعمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت