المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 680
تحتها) بزيادة (من) ، وكذلك هو في مصاحف مكّة، وقرأ الباقون (تحتها) بغير (من) ، وعليه سائر المصاحف، والمعنى واحد"، ونحوه الزّمخشريّ (2: 21) ."
وقال الآلوسيّ (11: 9) :"قرأ ابن كثير (من تحتها) ، وأكثر ما جاء في القرآن، موافق لهذه القراءة".
وعليه فهي قراءة لا تهدينا إلى ضالّتنا المنشودة، والّذي يجدر بالبحث هنا معنى (من) فيها، أهي للابتداء؟
مثل: سرت من البصرة إلى الكوفة، أو بمعنى"في"؟ أي تجري في تحتها الأنهار، أو للتّبعيض؟ أي تجري الأنهار تحت بعضها، وهو الأقرب، لأنّ الأنهار إذا جرت تحت الجميع فهي بحار لا أنهار، وهو الّذي نراه بالفعل من جريان الأنهار تحت الأشجار في ناحية من الجنّات دون استيعابها.
خامسا: جاء في الآيات (مِنْ تَحْتِهَا) *، وفي (29) :
(مِنْ تَحْتِهِمُ) ، مع أنّها كغيرها في وصف أهل الجنّة، والسّرّ فيها تقديم (أَصْحابُ الْجَنَّةِ) ، والفصل بينها وبين (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ) بقوله: هُمْ فِيها خالِدُونَ* وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ. فأرجع الضّمير إليهم، لأنّهم أقرب بها من (الجنّة) ، فالسّؤال ينبغي أن يوجّه إلى سرّ تغيير سياق هذه الآية وانفرادها عن غيرها، لا إلى تبديل (تحتها) ب (تحتهم) .
والسّرّ فيه- واللّه أعلم- أنّ الآية وصف لهم أوّلا بقوله: (لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها) ، تنبيها على أنّ (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) يجزون بقدر ما كلّفوا، أي حسب وسعهم لا أكثر، ثمّ نبّه على خلودهم في الجنّة ونزع ما في صدورهم من غلّ، وأخّر (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ) تقديما لما هو الأهمّ بالذّكر وتأخيرا لغيره.
وهناك مزيّة أخرى خاصّة بها، وهي أنّها عبّرت أنّها عنهم ب (أَصْحابُ الْجَنَّةِ) جريا على ما تكرّر في هذه السّورة- الأعراف- من التّقابل بين أصحاب الجنّة وأصحاب النّار، كسورة البقرة والحشر وغيرهما، لاحظ"ص ح ب": (أَصْحابُ الْجَنَّةِ) .
سادسا: جاءت (جنات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ) جزاء للّذين آمنوا وعملوا الصّالحات- وهو الأكثر- والمؤمنين والمؤمنات، والمتّقين والمجاهدين والمهاجرين، والأنصار والتّابعين، والصّادقين، والمصلّين، والمؤتين للزّكاة، والتّائبين والمستغفرين، وللنّبيّ ولمن يطع اللّه ورسوله.