فهرس الكتاب

الصفحة 3463 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 754

رعيّته، فيبعث بعض عمّاله إلى دعوتهم إلى السّمع والطّاعة، ويكتب في ذلك كتابا يأمره أن يقرأه عليهم، ويلومهم على تمرّدهم واستكبارهم، على ما بهم من الضّعف والذّلّة ولمولاهم من القوّة والسّطوة والعزّة، ثمّ يبلغ الملك أنّهم ردّوا على رسوله ما بلغهم من قبله، ويكتب إليه كتابا ثانيا يأمره بقراءته عليهم وإذا فيه:

لعلّك لم تقرأ كتابي عليهم، مخافة أن يقترحوا عليك بما لا تقدر عليه، أو أنّهم زعموا أنّ الكتاب ليس من قبلي وإنّما افتريته عليّ افتراء. فإن كان الأوّل فإنّك رسول ليس عليك إلّا البلاغ، وإن كان الثّاني فإنّ الكتاب بخطّي كتبته بيدي، وختمت عليه بخاتمي، ولا يقدر أحد غيري أن يقلّدني في ذلك.

والتّأمّل في هذا المثال يعطي أنّ المقام فيما يتضّمنه الكتاب الثّاني من الخطاب مقام الاستبعاد، وأنّ القصد من ذكر الاحتمالين ترك الإبلاغ. وزعم الافتراء ليس هو توبيخ الرّسول جدّا أو احتمال زعمهم الكذب والفرية جدّا، وإنّما ذكر الوجهان لداعي أن يكونا كالمقدّمة لذكر ما يزول به الشّبهتان، وهو أنّ الرّسول ليس له من الأمر شي ء حتّى يقترح عليه بما يقترح، وأنّ الكتاب للملك ليس فيه ريب ولا شكّ.

ومن هنا يظهر أن قوله تعالى: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ ليس يفيد التّرجّي الجدّيّ ولا مسوقا لتوبيخ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله، ولا مرادا به تسليته وتطييب نفسه، إثر ما كان يناله من الحزن والأسى بكفرهم وجحودهم، لما أتى به من الحقّ الصّريح، بل الكلام مسوق ليتوصّل به إلى ذكر قوله:

إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ وَكِيلٌ هود: 12.

فما ذكره بعض المفسّرين أنّ الكلام مسرود لنهي النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله عن الحزن وضيق الصّدر، وبما كانوا يواجهونه به من الكفر والجحود، والنّهي نهي تسلية وتطييب للنّفس، نظير ما في قوله: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ النّحل: 127، وقوله: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ* إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ الشّعراء:

3، 4، كلام ليس في محلّه.

ويظهر أيضا أنّ قوله: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ إلخ، وقوله:

أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ هود: 13 إلخ، كشقّي التّرديد، ويتّصلان معا بما قبلهما من وجه واحد، كما ذكرناه.

وقوله: تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ إنّما ذكر"البعض"لأنّ الآيات السّابقة متضمّنة لتبليغ الوحي في الجملة، أي لعلّك تركت بعض ما أوحينا إليك من القرآن، فما تلوته عليهم فلم ينكشف لهم الحقّ كلّ الانكشاف، حتّى لا يجبّهوك بما جبّهوك به من الرّدّ والجحود؛ وذلك أنّ القرآن بعضه يوضّح بعضا، وشطر منه يقرّب شطرا منه من القبول، كآيات الاحتجاج توضح الآيات المشتملة على الدّعاوي، وآيات الثّواب والعقاب تقرّب الحقّ من القبول بالتّطميع والتّخويف، وآيات القصص والعبر تستميل النّفوس، وتليّن القلوب.

وقوله: وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا ... إلخ، قال في"المجمع": ضائق وضيّق بمعنى واحد، إلّا أنّ ضائق هاهنا أحسن لوجهين: أحدهما: أنّه عارض، والآخر: أنّه أشكل بقوله: (تارك) ، انتهى. (10: 158)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت