فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 753
نعم، قيل: لو أريد ترك الجدال بالقرآن إلى الجلاد والضّرب والطّعان- لأنّ هذه السّورة مكّيّة نازلة قبل الأمر بالقتال- صحّ، لكن في"الكشف"بعد كلام: اعلم لو أخذت التّأمّل لاستبان لك أنّ مبنى هذه السّورة الكريمة على إرشاده- تعالى كبرياؤه- نبيّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم إلى كيفيّة الدّعوة من مفتتحها إلى مختتمها، وإلى ما يعتري لمن تصدّى لهذه الرّتبة السّنيّة من الشّدائد واحتماله، لما يترتّب عليه في الدّارين من العوائد، لا على التّسلّي له عليه الصّلاة والسّلام، فإنّه لا يطابق المقام.
وانظر إلى الخاتمة الجامعة، أعني قوله سبحانه:
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ هود:
123، تقض العجب، وهو يبعد هذه الإرادة إن قلنا: إنّ ذلك من باب التّخفيف المؤذن بالتّسلّي، فتأمّله.
رشيد رضا: المتبادر إلى الفهم من جملة (لعلّ) بحسب موقعها هنا الاستفهام الإنكاريّ، المراد به النّهي أو النّفي، أي أفتارك أنت أيّها الرّسول بعض ما يوحى إليك ممّا يشقّ سماعه على المشركين، من الأمر بالتّوحيد والنّهي عن الشّرك والإنذار والوعيد الشّديد لهم والنّعي عليهم، وضائق به صدرك أن تبلّغهم إيّاه كلّه، كما أنزل كراهة أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ. (12: 29)
الطّباطبائيّ: لمّا كانت رسالة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بما أيّدت به من القرآن الكريم والآيات البيّنات والحجج والبراهين- ممّا لا يسع لذي عقل إنكارها ولا لإنسان صحيح المشاعر ردّها والكفر بها- كان ما حكى من كفر الكافرين وإنكار المشركين أمرا مستبعدا بحسب الطّبع.
وإذا كان وقوع أمر على صفة من الصّفات مستبعدا أخذ الإنسان في تقرير ذلك الأمر من غير مجرى الاستبعاد، طلبا للمخرج من نسبة الوقوع إلى ما يستبعده الطّبع.
ولمّا كان المقام في الآية الكريمة هذا المقام، وكان ما حكاه اللّه سبحانه من كفر المنكرين وإنكار المشركين لما جاء به النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله إليهم من الحقّ الصّريح، وما أنزل إليه من كلام اللّه تعالى مع ما يتلوه من البيّنات والحجج، ممّا لا ينبغي أن يذعن به لبعده طبعا، بيّن تعالى لذلك وجها بعد وجه على سبيل التّرجّي، فقال: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ إلخ، أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ هود: 13 إلخ.
فكأنّه قيل: من المستبعد أن تهديهم إلى الحقّ الواضح ويسمعوا منك كلامي، ثمّ لا يستجيبوا دعوتك، ويكفروا بالحقّ بعد وضوحه، فلعلّك تارك بعض ما يوحى إليك وغير داعيهم إليه، ولذلك جبّهوك بالإنكار. أم يقولون: إنّ القرآن ليس من كلام اللّه بل هو افتراء افتريته على اللّه، ولذلك لم يؤمنوا به. فإن كنت تركت بعض الوحي خوفا من اقتراحهم عليك الآيات، فإنّما أنت نذير وليس لك إلّا ما شاء اللّه، وأن يقولوا:
افتراه، فقل لهم: يأتوا بعشر سور مثله مفتريات ... إلخ.
وممّا تقدّم يظهر أنّ إيراد الكلام مورد التّرجّي والاحتمال، رعاية ما يقتضيه المقام من طبع الاستبعاد.
فالمقام مقام الاستبعاد، ومقتضاه ذكر كلّ سبب محتمل التّأثير في الحادثة المستبعدة.
اعتبر ذلك في ملك ينتهي إليه تمرّد بعض ضعفاء