فهرس الكتاب

الصفحة 3468 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 759

ضعفة الإيمان دون معظمهم.

ويفضّ النّزاع بأنّ ذلك كان قد حدث في أوائل الهجرة، وهم يومئذ لم يألفوا صلاة الجمعة، ولم يعتادوها، ويشهد به ما جاء قبلها: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ...

الجمعة: 9، فعاتبهم اللّه بذلك وعذلهم. وله نظائر في القرآن في مواضيع أخرى، تسديدا وتأديبا لهم، لاحظ"ه ج ر، المهاجرين والأنصار". وقد جاءت أمثالها خطابا للنّبيّ بالذّات، فأوّلها المفسّرون قاطبة تأويلا يتماشى مع كرامة النّبيّ وعصمته، كما ترى أدناه.

ومنها: في (35) : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ، قالوا: كيف يترك النّبيّ- وهو مأمور بالتّبليغ- وبعض ما يوحى إليه؟ ولا سيّما تجويزه يؤدّي إلى الشّكّ في النّبوّات؟! وأجابوا عنه بوجوه:

1 -أنّه كان يضيق صدر النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بأن يلقي إلى النّاس ما لا يقبلونه ويستخفّون به، فيرى أنّ تركه أولى وأصلح، فخصّه اللّه لأداء الرّسالة، وعدم المبالاة باستخفافهم وسفاهتهم، والإعراض عن سخريّتهم واستهزائهم، وأنّه أولى من تركهم رأسا، فإنّه يؤدّي إلى الخيانة في الرّسالة، وقد أتي بلفظ (لعلّك) - الدّالّ على الشّكّ- تخفيفا للعتاب، ورعاية للأدب.

2 -أنّهم لمّا قالوا له:"لو أتيتنا بكتاب ليس فيه سبّ آلهتنا لاتّبعناك"، فهمّ بأن يدع سبّ آلهتهم، والكلام معناه الاستفهام، أي هل أنت تارك ما فيه سبّ آلهتهم كما سألوك؟

3 -لعظم ما يرد على قلبك من تخليطهم تتوهّم أنّهم سيزيلونك عن بعض ما أنت عليه من تبليغ ما أوحي إليك. ف (لعلّ) هنا لتوقّع شي ء سيقع، وليس معناه أنّه وقع، وهي نظير طه* ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى طه: 1، 2، إلى غير ذلك من التّأويلات، ولا سيّما ما ذكره الطّباطبائيّ من أنّه تمهيد لقوله: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ الرّعد: 7، فلاحظ.

وعندنا أنّ للّه مع رسوله مواقف كلّها رحمة له، وحتّى العتاب منه تعالى يخفّف آلامه، وهي أنس الحبيب بحبيبه. وليس عتابات القرآن له ما يقتضي عصيانا، بل هي إرشاد إلى ما هو أولى ممّا فعله النّبيّ، وقد عبّروا عنها ب"ترك الأولى".

ومن ناحية أخرى فإنّ هذه العتابات تحمل صبغة الصّراحة والصّداقة بين اللّه ورسوله، ووجودها في القرآن دليل على صدقه في رسالته، فكان لا يكتم شيئا من الوحي حتّى العتابات الإلهيّة، الموجّهة إليه.

ومن جملة المحامل المعروفة في هذه العتابات أنّها من قبيل"إيّاك أعني واسمعي يا جارة"، أي أنّها وجّهت إليه وأريد بها الأمّة. ونقول: ولو لم تكن الأمّة مرادة بها، فإنّها تتنبّه بها كأدنى تقدير، فيهون عليها ما نزلت من الآيات عتابا وتوبيخا لها، وتقلّ بها ما تتمنّاه من النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في التّسامح معها في أحكام اللّه تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت