المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 758
مورّثون؟ والأولى بالسّياق هو الثّاني، مع ملاحظة ما قبلها لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ... وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ النّساء: 32، 33، أي جعلنا لكلّ من الرّجال والنّساء موالي، أي من هو أولى بأن يرثهم ممّا تركه الوالدان والأقربون.
ف"الموالي"تتضمّن معنى"الوارث"، فيتعلّق بها (ممّا ترك) ، و"من"للتّعدية، و (الوالدان والاقربون) فاعل (ترك) ، والمعنى لكلّ من النّساء والرّجال ورّاث يرثونهم ممّا تركه (الوالدان والاقربون) .
وعليه فإنّ (الوالدان والاقربون) جاء مكان (الرّجال والنّساء) في الأوّل كأظهر المصاديق للمورّثين.
وقدّم (لكلّ) على (جعلنا) تنجيزا للرّبط بينها وما تقدّمها من الرّجال والنّساء.
ويؤيّد ما ذكرنا من أنّ (الوالدان والاقربون) هم الوارثون الآية (3) : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ؛ إذ سياق الآيتين واحد.
ومنها: في (23) : وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ، وقد استشكل عليه بأنّه أوّلا: لو أريد بتركهم إهمالهم مباشرة فهذا لا يليق باللّه، وإن أريد به تصييرهم في الظّلمات، فالفعل (ترك) يحتاج إلى مفعول ثان، وهو إمّا (فى ظلمات) ، ويكون (لا يبصرون) حالا، وإمّا (لا يبصرون) ، و (فى ظلمات) ظرف له أو ل (تركهم) ، أو حال من الضّمير في (يبصرون) .
وعندنا أنّ (تركهم) هنا من المحور الثّاني بمفعول واحد، أي (أبقاهم) ، و (و في ظلمات) ظرف له، و (لا يبصرون) حال من ضمير المفعول في (تركهم) ، وتنكير (ظلمات) وجمعها وتقييده بكونهم (لا يبصرون) ، كلّها تأكيد بعد تأكيد، لإذهاب نورهم بأسره، حتّى لم يبق لهم نور أبدا، والجمله بمكان من البلاغة والمبالغة.
ثانيا: قال المعتزلة ومن ذهب مذهبهم في العدل، في مثل هذه الآية: كيف يعاونهم اللّه على الضّلالة وهو قبيح منه؟ فأوّلوها بالتّخلية بينهم وبين أعمالهم، من دون إعانة لهم على ذلك.
والحقّ في مثلها أنّ ذلك مجازاة للكفّار والمنافقين في الدّنيا، بسبب إعراضهم عن الحقّ بعد قدرتهم على معرفته وقبوله، فسلبها منهم، وختم على قلوبهم، وهذا معنى"الإضلال"في مثل فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ إبراهيم: 4، لاحظ"ض ل ل".
ومنها: في (24) : وَتَرَكُوكَ قائِمًا، استصعب جمهور أهل السّنّة الأمر؛ إذ كيف تركه الصّحابة قائما، وانفضّوا إلى اللّهو أو التّجارة، وهم من الرّعيل الأوّل في الإيمان؟ فأوّلوها- تنزيها لهم- بأنّ الخطبة في يوم الجمعة كانت بعد الصّلاة مثل العيدين، فظنّوا أنّهم قد قضوا ما وجب عليهم، وليس في ترك الخطبة خطيئة، فجعلت بعد ذلك قبل الصّلاة، فكان لا يخرج بعد النّهي أحد لرعاف أو حدث حتّى يستأذن النّبيّ عليه السّلام إشارة باليد فيأذن له بذلك.
ومن ناحية أخرى فقد راق للنّاس الحطّ من شأن الصّحابة بذلك، وهذا يلائم ما نصّ عليه القرآن من جهادهم بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه، إلّا قليلا من