فهرس الكتاب

الصفحة 3492 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 783

يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ، وفي (8) في شأن الكافرين: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ. فالتّأكيد في جانب المؤمنين لتثبيت أقدامه، ويناسبه في جانب الكافرين عثرة أقدامهم، فأتى ب"تعس".

إلّا أنّهما- أي ثبات القدم وعثرته- هنا كنايتان عن ملازمة الحقّ ومجاوزته. فالمعنى أنّ للمؤمنين ثباتا على الحقّ، وللكافرين زلّة عنه وعثرة، ولهذا قال بعد"تعسا لهم": وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ، أي لمّا كانوا منحرفين عن الحقّ، فأعمالهم في ضلال عن الحقّ، وكلّ من ضلّ عن الحقّ فسوف يعتوره الهلاك والشّرّ والحزن والبلاء، وغير ذلك ممّا ذكر.

ثالثا: قالوا في إعرابها: الَّذِينَ كَفَرُوا مبتدأ، خبره فَتَعْسًا لَهُمْ، باعتباره مصدرا لفعل محذوف، أي أتعسهم اللّه تعسا وأضلّ أعمالهم، وبعض قال:

أتعسهم اللّه فتعسوا تعسا.

واحتمل بعضهم أنّ محلّ الَّذِينَ كَفَرُوا نصب ب"أتعسهم"المقدّر، وهو بعيد عن سياق باقي آيات السّورة. أو أنّ (تعسا لهم) - على رفع"تعس"مبتدأ وخبر، والجملة خبر ل الَّذِينَ كَفَرُوا، وهو أغرب ما قيل؛ إذ لم يقرأ"تعس"بالرّفع.

رابعا: عن الثّعالبيّ: أنّ"الفاء"من فَتَعْسًا لَهُمْ جواب الشّرط، كما يقال: إن تأتني فحسن جميل.

وكأنّه أراد أنّ الَّذِينَ كَفَرُوا بمنزلة"إن كفروا". أو وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ متناسقا لما قبله: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ.

ومثلها الآية (4) من هذه السّورة: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ، والآية (34) : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.

وعندنا أنّ"الفاء"في أمثال هذه الآيات تأكيد لسببيّة ما قبلها لما بعدها، ولعلّها مراد من جعلها جوابا للشّرط المقدّر.

خامسا: قالوا في فَتَعْسًا لَهُمْ: إنّه دعاء عليهم، والحقّ أنّه هتاف، كما سبق في بُعْدًا لِعادٍ هود: 60، فيحذف الفعل ويؤتى بالكلمة منفصلة عمّا قبلها. وكثيرا ما يكرّر اللّفظ بعينه، أو بلفظ آخر بمعناه، مثل: فبعدا وتعسا. والمراد بالهتاف إنشاء المعنى حالا دون طلبه مستقبلا، كما في الدّعاء.

سادسا: ما النّكتة في انفراد هذه الكلمة في القرآن مع عدم وقوعها رويّا كغيرها من الكلمات الوحيدة؟

والجواب- واللّه أعلم- أنّ هذه الكلمة بما لها من المعنى اللّغويّ وما يلازمها من الكنايات المشار إليها، لا نظير لها في حطّ رتبة الكفّار وخذلانهم، وهي أحسن التّعبيرات للهتاف ضدّهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت