المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 782
مساعيهم على نحو الكناية. فإنّ الإنسان أعجز ما يكون، إذا كان ساقطا على وجهه. (18: 229)
مكارم الشّيرازيّ: التّعس بمعنى الانزلاق والهويّ، وما فسّره البعض بأنّه الهلاك والانحطاط، فهو لازمه في الواقع لا معناه.
وعلى كلّ حال، فإنّ المقارنة بين هذين الفريقين عميقة المعنى جدّا، فالقرآن يقول في شأن المؤمنين:
وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ محمّد: 7، وفي شأن الكافرين:
وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ، وبصيغة اللّعنة، ليكون التّعبير أبلغ وأكثر جاذبيّة وتأثيرا. (16: 320)
الأصول اللّغويّة
1 -الأصل في هذه المادّة: التّعس، أي الكبّ والإلقاء، يقال: تعس فلان يتعس تعسا، وتعس يتعس تعسا، وتعسه اللّه أيضا: انكبّ فعثر، فهو تعس وتاعس وتعيس. وأتعسه اللّه: أكبّه وحطّه، فهو متعس، وفي الحديث:"تعس عبد الدّينار وعبد الدّرهم".
ويقال في الدّعاء: تعست، عند الخطاب، وتعس، عند الغيبة، وكلاهما يعني الهلاك. ويقال أيضا: تعسا له، أي ألزمه اللّه هلاكا، وأتعس اللّه جدّه. ويدعو الرّجل على بعيره الجواد إذا عثر فيقول: تعسا، فإذا كان غير جواد ولا نجيب فعثر، قال له: لعا.
2 -لقد استعلمت هذه المادّة غالبا في الدّعاء بالهلاك، وكأنّها وضعت لذلك، فهي كنظائرها في هذا الباب، مثل: قبحا له وشقحا، وسحقا له، وتعسا له ونكسا، وبعدا له وغيرها.
3 -وتعقّب العدنانيّ في"معجم الأخطاء الشّائعة"من استعمل"تعيس"بمعنى تاعس وتعس، وخطّأ بعض المعجمات الّتي وردت فيها هذه الكلمة، ومنها معجم مجمع اللّغة العربيّة في القاهرة"المعجم الوسيط"، فقال:
ولست أدري المصدر الّذي اعتمد عليه"الوسيط"في وضع"تعيس"بدلا من"تاعس".
ولكن غاب عنه أنّ ابن دريد قد ذكره في"جمهرة اللّغة"كما مرّ في النّصوص، ويتهاوى بذلك ما بنى عليه كلامه ويتهافت.
الاستعمال القرآنيّ
جاء منها لفظ واحد هتافا ودعاء:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ
محمّد: 8
يلاحظ أوّلا: أنّ"تعس"لغة: العثور والخرّ على الوجه، وليس يراد به ذلك هنا، بل هو كناية عمّا يلازم العثور من الهلاك والشّرّ والمكروه والخزي والشّقاء والبلاء والخيبة والزلّة والحزن والقبح والانحطاط والهبوط ونحوها ممّا جاء في التّفاسير، وكلّ ذلك حسن؛ إذ هو متفرّع على العثرة عن الحقّ، كما يأتي.
ثانيا: في سورة"محمّد"مناظرة وتقابل بين حال المؤمنين والكافرين بضروب شتّى، فبإزاء كلّ حالة ما يناسبها، لاحظ"ب ول"فقال في الآية (1) في شأن الكافرين: وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ، وفي (2) في شأن المؤمنين: كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ، وهكذا حتّى قال في (7) في شأن المؤمنين: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ