المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 827
الإلقاء من العلوّ، والإلقاء أعمّ منه ومن السّفل، والصّبّ: انحدار السّائل تدريجا، والكبّ: الدّفع على القفا، والصّبّ أعمّ منه ومن الوجه، والتّلّ: الاضطجاع الخفيف للبدن.
وقد اختير هنا دون سواه، لأنّه يلائم عطف الوالد على ولده، فلم يسقطه على الأرض بدفعه وصرعه وكبّه. كما أنّه يلائم لفظ (للجبين) دون"على الجبين"، لأنّه يفيد الاستعلاء الّذي يلائم الكبّ، ولهذا ذكر الجبين بدل الجبهة، لأنّها ما بين الجبينين، وتناسب الكبّ دون التّلّ، أي أضجعه بتؤدة، ووضع جبينه على الأرض برفق.
ثانيا: جاء"التّلّ"بما له من معنى العطف مرّة واحدة في قصّة فريدة من نوعها في القرآن، وهي حكاية ذبح إبراهيم ولده الفريد امتثالا لأمر اللّه، وكان ابتلاء صعبا لهما. وعند ما تلاحظ القصّة بتمامها ترى فيها بوضوح أمثل معاني العطف والتّسليم والصّبر والفداء والطّاعة والإحسان، وكذلك صدق الفداء والتّضحية والإخلاص للّه.
ثالثا: لم يذكر جواب فَلَمَّا أَسْلَما، بل عطف عليه ما بعده: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ* وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ الصّافّات: 103، 105.
قيل: الجواب (ناديناه) ، والواو زائدة. والصّواب أنّها ليست زائدة، بل هي رمز إلى أنّ الجواب واضح؛ إذ كان نداء اللّه بصدق إبراهيم، كأنّه أثر طبيعيّ لتسلميهما، فهذا من قبيل: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها ... الزّمر: 73، لاحظ"الأبواب"من"ب وب".
رابعا: جاءت هذه القصّة مرّة واحدة في سورة الصّافّات المكّيّة، ولم تتكرّر في القرآن، كما تكرّرت قصص أخرى في شأن الأنبياء وفي شأن إبراهيم بالذّات، ولعلّها رمز إلى ذروة إخلاص هذا النّبيّ وابنه إسماعيل فليس لها نظير، فجاءت مرّة واحدة في سورة مكّيّة- وقد حدثت في هذا البلد وعند البيت العتيق- لتكون معلما وحيدا للإخلاص والفداء.