فهرس الكتاب

الصفحة 3576 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 867

التّعسّف والافتراء والكذب، فهم حين ذكروا النّبيّ بأنّه كان يقرأ ويكتب، ولكنّهم نسبوا إلى رجل أعجميّ أنّه كان هو الّذي يعلّم النّبيّ، وقال القرآن في ذلك: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ النّحل:

إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لو كان يقرأ ويكتب لجاهره بذلك الّذين يعلمون أنّه يقرأ ويكتب، بل لصرّح من علّمه القراءة والكتابة بأنّه هو الّذي علّمه القراءة والكتابة.

وقد اتّخذ النّبيّ كتّابا للوحي والرّسائل، كما أنّه حثّ نفرا من الصّحابة على تعلّم بعض اللّغات الشّائعة في ذلك الزّمان. أمّا دعوته للأمّة إلى تعلّم القراءة والكتابة فأمر ثابت.

ورغم أنّ الاعتماد على تلاوة القرآن كان من طريق استظهاره فإنّ النّبيّ حرص على كتابته، وكان هذا معروفا في سياسة القرآنيّة صلّى اللّه عليه وسلّم؛ بحيث تولّي عثمان بن عفّان تحقيق هذه المهمّة؛ إذ ألّف لجنة من كتبة الصّحابة كتبوا القرآن كلّه، واتّخذوا منه عدّة نسخ وزّعت على الآفاق لإسلاميّة المعروفة، وقد استغرق ذلك بضع سنين.

ومن المعلومات البديهيّة في موضوع القرآن الكريم أنّه مؤلّف من سور عدّتها مئة مئة وأربع عشرة سورة، غالبها مكّيّ. وكلّ سورة تتضمّن عددا من الآيات غير محدّد، فبعضها تكون آياتها كثيرة عددا من الآيات غير محدّد، فبعضها تكون آياتها كثيرة تجاوز المئتين وبعضها تكون آياتها قليلة في نحو ثلاث آيات، وكان ذلك معروفا منذ العهد المكّيّ. وفي صلب القرآن ما يشير إلى هذه التّسمّيّات، أي الآية والسّورة.

والكلام على القرآن الكريم في نظمه وبلاغته وتنسيقه لا يستوعبه بحث موجز، وإنّما هو ممّا تؤلّف فيه الكتب والمطوّلات. إنّ أمّيّة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم مسألة ثابتة انعقد عليها إجماع الأمّة في جميع أزمنة التّاريخ، ولم يكن مثل ذلك ليخفى على من عايش النّبيّ قبل النّبوّة وبعدها، ولا على من كان يراقبه صلّى اللّه عليه وسلّم مراقبة دقيقة، من مثل أحبار اليهود وغيرهم.

والّذين يدّعون أنّ النّبيّ كان يقرأ ويكتب يحسبون أنّ ذلك ممّا يقدح في صدق نبوّته، في حين أنّ النّبوّة لا يمكن أن يحقّقها الإلمام بالقراءة والكتابة، فما أكثر الّذين يقرؤون ويكتبون، ولا سهم لهم من نبوّة أو رسالة. فإنّ الّذين يحسنون القراءة والكتابة كثيرون، ولكنّهم لم يظهر فيهم من يملك ما ملكه النّبيّ من الاقتدار على الإتيان بشريعة حكيمة رشيدة، عالجت مشاكل العالم ورسمت لحياة الأمم منهجا سليما وسديدا.

وفي القرآن الكريم أحكام لم تعرف في شرائع أخرى، كأحكام المواريث والزّواج والطّلاق، وكذلك ما يتعلّق بالعبادات، من صوم وصلاة، وما إلى ذلك من محتوى حين قورن بالدّيانات القديمة، كان أغزر منها عطاء وأكثر رشادا وأسدّ منحى، في إصلاح الأمم والشّعوب.

على أنّ في القرآن الكريم غيبيّات يعدّ الكلام فيها من قبل كائن بشريّ مجازفة، لم يقدم عليها أحد من بني البشر. وفي تضاعيف هذا الكتاب ما يوضح كثيرا من هذه النّواحي لمن يقبل على مطالعته بإمعان نظر واهتمام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت