المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 61
ويرى"آرثر جفري"أنّ هذا اللّفظ من مخلّفات أقوام كانت تقطن المنطقة السّاميّة، قبل هجرة السّاميّين والآريّين إليها، ثمّ دخل بعد ذلك لغتي هذين الشّعبين.
3 -وأمّا من قال بعربيّته فقد ذهب إلى أنّه من قولهم: نوّر الفجر تنويرا، وهو قول الإمام عليّ عليه السّلام كما تقدّم في معنى التّنور. وأصله على هذا القول"نوّور"على وزن"فعّول)، فاجتمع واوان وضمّة وتشديد، فاستثقل ذلك، فقلبوا عين الفعل إلى فائه، فصار"ونّور"، فأبدلوا من الواو تاء، كقولهم: تولج، في"وولج"، والتّولج: كناس الوحش."
وقيل: أصله"تنوور"على وزن (تفعول) من"ت ن ر"، فهمزت الواو الأولى، ثمّ حذفت تخفيفا، وشدّد الحرف الّذي قبلها- أي النّون- فصار"تنّور".
والقول الأوّل أرجح، لأنّ"ت ن ر"مهمل في اللّغة العربيّة، والنّون قبل الرّاء نادر في كلام العرب، كقولهم:
زنر الإناء، أي ملأه، وسنر الرّجل: ضاق خلقه وساء، وشنّر فلان فلانا وعليه: فضحه وعابه.
الاستعمال القرآنيّ
جاءت مرّتين في قصّة نوح:
1 -حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ
هود: 40
2 -فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ
المؤمنون: 27
يلاحظ أوّلا: أنّ التّنّور في القرآن خاصّ بقصّة نوح، وذكر مرّتين كعلامة لحلول العذاب في سياق واحد، سوى أنّه جاء في الأولى قُلْنَا احْمِلْ فِيها، وفي الثّانية فَاسْلُكْ فِيها، وأضيف في الثّانية (منهم) ، ولا تفاوت في ذلك سوى مزيد من التّوضيح.
وكونه علامة للعذاب مفهوم من (فار التّنّور) ، حيث إنّ ما بعدها جواب لها ومترتّب عليها.
ثانيا: اختلفوا في المراد ب (التّنّور) كما مرّ في النّصوص من دون شاهد في القرآن على شي ء منها، سوى ما هو صريح الآيتين: أنّ فوران التّنّور كان علامة لحلول العذاب، فأمر نوح بحمل ما ذكر في السّفينة، وهو الّذى قوّاه بعضهم.
ثالثا: اختلفوا أيضا في محلّ التّنّور بين بلدين:
الكوفة والشّام، وإنّي أرى أنّه ناشئ من تلك المنافسة والعداوة الّتي كانت بين أهالي البلدين في العصر الأمويّ، فكان هوى أهل الكوفة مع أهل البيت، وأهل الشّام مع بني أميّة، فأراد كلّ منهما أن يكون له حظّ من هذه القصّة. ويلحظ هذا الخلاف بوضوح في كثير من المسائل، فينبغي التّبيّن فيها وقبولها بحذر.
رابعا: لقد أخبر القرآن بقصّة الطّوفان، وكشف آثارها العلم الحديث، وسنبحثها في"طوفان"إنشاء اللّه فانتظر.