فهرس الكتاب

الصفحة 3691 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 60

ولا يبعد أن يكون المراد ظاهرا أو باطنا، هو فوران القوّة الغضبيّة وظهورها، وبدوّ حرارة السّخط والعذاب الأليم، فيكون التّنّور عبارة عن صفة وحالة قهّاريّة جبّاريّة للّه المتعال، فإنّ أخذه لشديد. (1: 378)

مكارم الشّيرازيّ:"التّنّور"بتشديد النّون، هو المكان الّذي ينضج الخبز فيه بعد أن كان عجينا. لكن ما مناسبة فوران الماء في التّنّور واقتراب الطّوفان؟

اختلف المفسّرون فكانت لهم أقوال كثيرة في ذلك:

قال بعضهم: كانت العلامة بين نوح وربّه لحلول الطّوفان أن يفور التّنّور، ليلتفت نوح وأصحابه إلى ذلك فيركبوا في السّفينة مع وسائلهم وأسبابهم.

وقال جماعة آخرون: إنّ كلمة (التّنّور) استعملت هنا مجازا وكناية عن غضب اللّه، وذلك لأنّ غضب اللّه اشتدّت شعلته وفار، وهذا يوحي بقرب حلول العذاب المدمّر، وهذا التّعبير مطّرد حيث يشبهون شدّة الغضب بالفورة والإشتعال.

ولكن يبدو أنّ الاحتمال الّذي يرى أنّ (التّنّور) هو بمعناه الحقيقيّ المعروف. هذا الاحتمال أقوى، والمراد ب (التّنّور) ليس تنّورا خاصّا بل المقصود بيان هذه المسألة الدّقيقة، وهي أنّه حين فار التّنّور بالماء- وهو محلّ النّار عادة- التفت نوح عليه السّلام وأصحابه إلى أنّ الأوضاع بدأت تتبدّل بسرعة وأنّه حدثت المفاجأة، فأين"الماء من النّار"؟!

وبتعبير آخر: حين رأوا أنّ سطح الماء ارتفع من تحت الأرض وأخذ يفور من داخل التّنّور الّذي يصنع في مكان يابس ومحفوظ، علموا أنّ أمرا مهمّا قد حدث وأنّه قد ظهر في التّكوين أمر خطير، وكان ذلك علامة لنوح وأصحابه أن ينهضوا ويتهيّأوا.

ولعلّ قوم نوح الغفلة رأوا هذه الآية، وهي فوران التّنّور بالماء في بيوتهم، ولكن غضّوا أجفانهم وصمّوا آذانهم كعادتهم عند مثل هذا الإخطار، أي الدّلالة الكبيرة، حتّى أنّهم لم يسمحوا لأنفسهم بالتّفكير في هذا الأمر، وأنّ إنذارات نوح وإخطاراته كانت لها واقعيّة. في هذه الحالة بلغ الأمر الإلهيّ نوحا قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ (6: 498)

الأصول اللّغويّة

1 -اختلف اللّغويّون والمفسّرون في معنى"التّنّور"على أقوال، هي: الموقد الّذي يخبز فيه، وطلوع الفجر ونور الصّبح، ووجه الأرض، وموضع اجتماع الماء في سفينة نوح، ومسجد الكوفة، والموضع المرتفع من الأرض، وعين في الجزيرة وهي عين الوردة.

2 -وكما اختلفوا في معناه فقد اختلفوا في أصله أيضا، فقالوا: هو عربيّ، أو فارسيّ، أو آراميّ. بيد أنّه لفظ معروف في كثير من اللّغات، حتّى قيل: إنّه في جميع اللّغات كذلك، فقد جاء في اللّغة الفارسيّة والتّركيّة والعبريّة بلفظ"تنور"، وفي الآراميّة والسّريانيّة"تنورا"، وفي الأفغانيّة"تنارة"، وفي الأبستاق (أوستا) "تنوره".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت