فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 78
وأمّا توبته على الفريق الّذي كاد أن يزيغ، فرجوعه من حالة محطوطة إلى حال غفران ورضا. (3: 92)
الطّبرسيّ: [مثل الطّوسيّ وأضاف:]
وإنّما ذكر اسم النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله مفتاحا للكلام وتحسينا له، ولأنّه سبب توبتهم، وإلّا فلم يكن منه ما يوجب التّوبة.
وقد روي عن الرّضا عليّ بن موسى عليه السّلام أنّه قرأ (لقد تاب اللّه بالنّبىّ على المهاجرين والانصار) . (3: 80)
نحوه فضل اللّه. (11: 23)
الفخر الرّازيّ: اعلم أنّه تعالى لمّا استقصى في شرح أحوال غزوة تبوك، وبيّن أحوال المتخلّفين عنها، وأطال القول في ذلك على التّرتيب الّذي لخّصناه في هذا التّفسير، عاد في هذه الآية إلى شرح ما بقي من أحكامها.
ومن بقيّة الأحكام أنّه قد صدر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نوع زلّة جارية مجرى ترك الأولى، وصدر عن المؤمنين نوع زلّة، فذكر تعالى أنّه تفضّل عليهم وتاب عليهم في تلك الزّلّات، فقال: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِ وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: دلّت الأخبار على أنّ هذا السّفر كان شاقّا شديدا على الرّسول عليه الصّلاة والسّلام وعلى المؤمنين، على ما سيجي ء شرحها، وهذا يوجب الثّناء، فكيف يليق بها قوله: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ.
والجواب من وجوه: أنّه صدر عن النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام شي ء من باب ترك الأفضل، وهو المشار إليه بقوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ التّوبة:
43، وأيضا لمّا اشتدّ الزّمان في هذه الغزوة على المؤمنين فربّما وقع في قلبهم نوع نفرة عن تلك السّفرة، وربّما وقع في خاطر بعضهم أنّا لسنا نقدر على الفرار. ولست أقول:
عزموا عليه، بل أقول: وساوس كانت تقع في قلوبهم، فاللّه تعالى بيّن في آخر هذه السّورة أنّه بفضله عفا عنها، فقال: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ.
والوجه الثّاني في الجواب: أنّ الإنسان طول عمره لا ينفكّ عن زلّات وهفوات، إمّا من باب الصّغائر، وإمّا من باب ترك الأفضل. ثمّ إنّ النّبيّ عليه السّلام وسائر المؤمنين لمّا تحمّلوا مشاقّ هذا السّفر ومتاعبه، وصبروا على تلك الشّدائد والمحن، أخبر اللّه تعالى أنّ تحمّل تلك الشّدائد صار مكفّرا لجميع الزّلّات الّتي صدرت عنهم في طول العمر، وصار قائما مقام التّوبة المقرونة بالإخلاص عن كلّها، فلهذا السّبب قال تعالى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ.
والوجه الثّالث في الجواب: أنّ الزّمان لمّا اشتدّ عليهم في ذلك السّفر، وكانت الوساوس تقع في قلوبهم، فكلّما وقعت وسوسة في قلب واحد منهم تاب إلى اللّه منها، وتضرّع إلى اللّه في إزالتها عن قلبه، فلكثرة إقدامهم على التّوبة بسبب خطرات تلك الوساوس ببالهم قال تعالى:
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِ الآية.
والوجه الرّابع: لا يبعد أن يكون قد صدر عن أولئك الأقوام أنواع من المعاصي، إلّا أنّه تعالى تاب عليهم وعفا عنهم، لأجل أنّهم تحمّلوا مشاقّ ذلك السّفر، ثمّ إنّه تعالى ضمّ ذكر الرّسول عليه الصّلاة والسّلام، إلى ذكرهم تنبيها على عظم مراتبهم في الدّين. وأنّهم قد