المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 77
احتملت وجهين:
أحدهما: أنّها الإذن لهم بالرّجوع إلى المدينة.
الثّاني: أنّها بالمعونة لهم في إمطار السّماء عليهم حتّى حيوا، وتكون التّوبة على هذين الوجهين عامّة.
وإن قيل: إنّ التّوبة الثّانية بعد عودهم إلى المدينة، احتملت وجهين:
أحدهما: أنّها العفو عنهم من ممالأة من تخلّف عن الخروج معهم.
الثّاني: غفران ما همّ به فريق منهم من العدول عن الحقّ، وتكون التّوبة على هذين الوجهين خاصّة.
نحوه القرطبيّ. (8: 278)
الطّوسيّ: أقسم اللّه تعالى في هذه الآية- لأنّ لام (لقد) لام القسم- بأنّه تاب على النّبيّ والمهاجرين والأنصار، بمعنى أنّه رجع إليهم وقبل توبتهم. [إلى أن قال:]
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ أي رجع عليهم بقبول توبتهم.
البغويّ: أي تجاوز وصفح، ومعنى توبته على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بإذنه للمنافقين بالتّخلّف عنه. وقيل: افتتح الكلام به، لأنّه كان سبب توبتهم فذكره معهم، كقوله تعالى: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ الأنفال: 41، ونحوه.
[إلى أن قال:]
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ فإن قيل: كيف أعاد ذكر التّوبة وقد قال في أوّل الآية: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ؟
قيل: ذكر التّوبة في أوّل الآية قبل ذكر الذّنب، وهو محض الفضل من اللّه عزّ وجلّ، فلمّا ذكر الذّنب أعاد التّوبة، والمراد منه قبولها. (3: 128)
نحوه الميبديّ (4: 224) ، وابن الجوزيّ(3:
511)، والشّربينيّ (1: 655) .
الزّمخشريّ: تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِ كقوله:
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ الفتح: 2، وقوله: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ المؤمن: 55، وهو بعث للمؤمنين على التّوبة، وأنّه ما من مؤمن إلّا هو محتاج إلى التّوبة والاستغفار حتّى النّبيّ والمهاجرون والأنصار، وإبانة لفضل التّوبة ومقدارها عند اللّه، وأنّ صفة التّوّابين الأوّلين صفة الأنبياء كما وصفهم بالصّالحين، ليظهر فضيلة الصّلاح.
وقيل: معناه تاب اللّه عليه من إذنه للمنافقين في التّخلّف عنه، كقوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ التّوبة: 43. [إلى أن قال:]
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ تكرير للتّوكيد، ويجوز أن يكون الضّمير للفريق، تاب عليهم لكيد ودتهم. (2: 218)
نحوه البيضاويّ (1: 435) ، والنّسفيّ (2: 148) .
ابن عطيّة: التّوبة من اللّه: رجوعه بعبده من حالة إلى أرفع منها، فقد تكون في الأكثر رجوعا من حالة طاعة إلى أكمل منها. وهذه توبته في هذه الآية على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، لأنّه رجع به من حاله قبل تحصيل الغزوة وأجرها وتحمّل مشقّاتها إلى حاله بعد ذلك كلّه.
وأمّا توبته على المهاجرين والأنصار، فحالها معرضة لأن تكون من تقصير إلى طاعة وجدّ في الغزو ونصرة الدّين.