المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 76
رشيد رضا: أي ثمّ رجع عن ذلك السّوء بعد أن عمله شاعرا بقبحه، نادما عليه، خائفا من عاقبته.
مثله المراغيّ. (7: 139)
الطّباطبائيّ: والآية ظاهرة الاتّصال بالآية الّتي قبلها، يأمر اللّه سبحانه فيها نبيّه صلّى اللّه عليه وآله- بعد ما نهاه عن طرد المؤمنين عن نفسه- أن يتلطّف بهم ويسلّم عليهم، ويبشّر من تاب منهم عن سيّئة توبة نصوحا بمغفرة اللّه ورحمته، فتطيب بذلك نفوسهم ويسكن طيش قلوبهم.
ويتبيّن بذلك أوّلا: أنّ الآية- وهي من آيات التّوبة- إنّما تتعرّض للتّوبة عن المعاصي والسّيّئات دون الكفر والشّرك، بدليل قوله: مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ أي المؤمنين بآيات اللّه. [إلى أن قال:]
وثالثا: أنّ تقييد قوله: (تاب) بقوله: (اصلح) للدّلالة على تحقّق التّوبة بحقيقتها، فإنّ الرّجوع حقيقة إلى اللّه سبحانه واللّواذ بجنابه لا يجامع، لطهارة موقفه التّقذّر بقذارة الذّنب الّذي ظهر منه التّائب الرّاجع، وليست التّوبة قول:"اتوب الى اللّه"قولا لا يتعدّى من اللّسان إلى الجنان، وقد قال تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ البقرة: 284.
4 -لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ.
التّوبة: 117
ابن عبّاس: كانت التّوبة على النّبيّ لأجل إذنه للمنافقين في القعود، دليله قوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ التّوبة: 43، وعلى المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التّخلّف عنه. (القرطبيّ 8: 278)
يريد ازداد عنهم رضا، ثمّ أكّد هذه المعاني بقوله:
إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (النّيسابوريّ 11: 33)
الطّبريّ: لقد رزق اللّه الإنابة إلى أمره وطاعته نبيّه محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم، والمهاجرين ديارهم وعشيرتهم إلى دار الإسلام، وأنصار رسوله في اللّه، الّذين اتّبعوا رسول اللّه في ساعة العسرة منهم، من النّفقة والظّهر والزّاد والماء ... ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ يقول: ثمّ رزقهم جلّ ثناؤه الإنابة والرّجوع إلى الثّبات على دينه، وإبصار الحقّ الّذي كان قد كاد يلتبس عليهم. (11: 54)
الماورديّ: وفي هذه التّوبة من اللّه على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والمهاجرين والأنصار وجهان محتملان:
أحدهما: استنقاذهم من شدّة العسر، الثّاني: أنّها خلاصهم من نكاية العدوّ. وعبّر عن ذلك بالتّوبة وإن خرج عن عرفها، لوجود معنى التّوبة فيه، وهو الرّجوع إلى الحالة الأولى ...
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ... وهذه التّوبة غير الأولى وفيها قولان:
أحدهما: أنّ التّوبة الأولى في الذّهاب، والتّوبة الثّانية في الرّجوع.
والقول الثّاني: أنّ الأولى في السّفر، والثّانية بعد العودة إلى المدينة.
فإن قيل بالأوّل: أنّ التّوبة الثّانية في الرّجوع،