فهرس الكتاب

الصفحة 3711 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 80

النّبوّة، فمنها يفيض على المهاجرين والأنصار وجميع الأمّة، فلهذا قال: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ. [إلى أن قال:]

ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ أي تجاوز عن ذنبهم الّذي فرط منهم، وهو تكرير للتّأكيد وتنبيه على أنّه يتاب عليهم من أجل ما كابدوا من العسرة. (3: 525)

الآلوسيّ: قال أصحاب المعاني: المراد ذكر التّوبة على المهاجرين والأنصار، إلّا أنّه جي ء في ذلك بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم تشريفا لهم وتعظيما لقدرهم، وهذا كما قالوا في ذكره تعالى في قوله سبحانه: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ الأنفال: 41، أي عفا سبحانه عن زلّات سبقت منهم يوم أحد ويوم حنين.

وقيل: المراد ذكر التّوبة عليه- عليه الصّلاة والسّلام- وعليهم، والذّنب بالنّسبة إليه صلّى اللّه عليه وسلّم من باب خلاف الأولى نظرا إلى مقامه الجليل، وفسّر هنا على ما روي عن ابن عبّاس: بالإذن للمنافقين في التّخلّف، وبالنّسبة إليهم رضي اللّه تعالى عنهم لا مانع من أن يكون حقيقيّا؛ إذ لا عصمة عندنا لغير الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام، ويفسّر بما فسّر أوّلا.

وجوّز أيضا أن يكون من باب خلاف الأولى بناء على ما قيل: إنّ ذنبهم كان الميل إلى القعود عن غزوة تبوك؛ حيث وقعت في وقت شديد، وقد تفسّر التّوبة بالبراءة عن الذّنب والصّون عنه مجازا؛ حيث إنّه لا مؤاخذة في كلّ، وظاهر الإطلاق الحقيقة. وفي الآية ما لا يخفى من التّحريض والبعث على التّوبة للنّاس كلّهم.

[إلى أن قال:]

ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ تكرير للتّأكيد بناء على أنّ الضّمير للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والمهاجرين والأنصار رضي اللّه تعالى عنهم، والتّأكيد يجوز عطفه ب"ثمّ"كما صرّح به النّحاة وإن كان كلام أهل المعاني يخالفه ظاهرا. وفيه تنبيه على أنّ توبته سبحانه في مقابلة ما قاسوه من الشّدائد، كما دلّ عليه التّعليق بالموصول.

ويحتمل أن يكون الضّمير للفريق، والمراد أنّه تاب عليهم لكيدودتهم وقربهم من الزّيغ، لأنّه جرم محتاج إلى التّوبة عليه، فلا تكرار لما سبق. (11: 39)

رشيد رضا: هذا خبر مؤكّد بلام القسم على حرف التّحقيق، بيّن به تعالى فضل عطفه على نبيّه وأصحابه المؤمنين الصّادقين من المهاجرين والأنصار، وتجاوزه عن هفواتهم في هذه الغزوة وفي غيرها لاستغراقها في حسناتهم الكثيرة على كونهم لا يصرّون على شي ء منها. وإنّما كانت هفواتهم هذه مقتضى الطّباع البشريّة واجتهاد الرّأي فيما لم يبيّنه اللّه تعالى لهم بيانا قطعيّا يعدّ مخالفه عاصيا.

وقد بيّنّا في تفسير الآية: 104 [من سورة التّوبة] أنّ للتّوبة درجات تختلف باختلاف طبقات التّوّابين الرّجّاعين إلى اللّه من كلّ إعراض عنه. وتوبته تعالى على عباده لها معنيان: عطفه عليهم- وهذا أعلاهما- وتوفيقهم للتّوبة وقبولها منهم، وإنّما يتوبون من ذنب، وما كلّ ذنب معصية للّه عزّ وجلّ.

وقد فسّر ابن عبّاس التّوبة على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم هنا بقوله تعالى، في سياق هذه الغزوة: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ التّوبة: 43، وحقّقنا في تفسيرها مسألة ذنوب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت