المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 216
سواجرت"خلال مناظرة في أمريكا بأن يقرأ نصّا من هذه النّصوص أمام الحاضرين، وكان يظنّ أنّ"الأب الرّوحيّ"يحجم أو ينكص خجلا، وكان المكان مكتظّا بحشد عظيم من المسلمين والنّصارى، ولكنّ الأمر لم يكن على ما توهّمه؛ إذ سارع القسّ إلى تلبية رغبة متحدّيه، وشرع يتلو النّصّ بنشوة وغبطة، وسط ذهول المسلمين وتصفيق المسيحيّين! وهو يلتفت إلى ندّه بين فينة وأخرى قائلا: أتريد المزيد؟!!"
رابعا: قال مستر هاكس في الصّفحة (718) من قاموسه:"إنّ النّسخ الأصليّة للكتاب المقدّس الّتي كتبها النّبيّ أو كتّابه ليست في أيدينا اليوم، بل أنّ ما بين أيدينا نسخة مقتبسة من الأصل، ويلحظ فيها اختلافات جزئيّة، رغم أنّهم قد أمعنوا في الكتابة إمعانا بالغا".
وقد عرّف العهد القديم"عزرا"- المعروف في القرآن بلفظ"عزير"- بأنّه"كاتب شريعة إلى السّماء الكامل إلى آخره"حسب رسالة الملك الفارسيّ"أرتحشستا"، سفر عزرا (7: 11 و 12) ، فقد جمع كلّ أسفار التّوراة والعهد القديم وأصلح غلطها كما يقول علماؤهم. ولكنّ بعضهم يقول: إنّ أسفار التّوراة كتبت بأساليب مختلفة، لا يمكن أن تكون كتابة واحد.
وشكّك علماء المسلمين في"عزرا"هذا، ومنهم العلّامة الطّباطبائيّ، فقال في الميزان (3: 310) :
"لا نعرفه أوّلا، ولا نعرف كيفيّة اطّلاعه وتعمّقه ثانيا، ولا نعرف مقدار أمانته ثالثا، ولا نعرف من أين أخذ ما جمعه من أسفار التّوراة رابعا، ولا ندري بالاستناد إلى أيّ مستند صحّح الأغلاط الواقعة أو الدّائرة خامسا".
فالشّكّ- كما ترى- يحوم حول الكاتب والمكتوب من قبل المسلمين والنّصارى على السّواء، وما أصدق قول القرآن الكريم فيهم: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ البقرة: 79.
خامسا: يلهج دعاة النّصرانيّة دائما عند مخاطبتهم لعوامّ المسلمين أنّ ما جاء به محمّد في القرآن بقوله:
وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ المائدة: 46، شهادة للتّوراة والإنجيل بالسّلامة من التّحريف!
لقد تقدّم في النّقطة السّابعة من الاستعمال القرآنيّ للفظ"الإنجيل"أنّ التّوراة والإنجيل كتابان تاريخيّان لحياة موسى وعيسى وما قبلهما وما بينهما، وتتخلّلهما شرائع وأحكام ومواعظ وغيرها، فلاحظ.