فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 235
وافتتحت بها. وصرّح بأخذها عليهم في قوله: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ ... المائدة: 12، وفي ذلك تسلية للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فيما يفعلونه معه، وتذكير له بالنّعمة على قومه بالتّوفيق، وترغيب لمن أطاع منهم، وترهيب لمن عصى. ومات في تلك الأربعين كلّ من قال ذلك القول أو رضيه حتّى النّقباء العشرة. وكان الغمام يظلّهم من حرّ الشّمس، ويكون لهم عمود من نور باللّيل يضي ء عليهم، وغير هذا من النّعم، لأنّ المنع بالتّيه كان تأديبا لهم، لا غضب؛ إذ أنّهم تابوا. ثمّ ساق البقاعيّ رحمه اللّه شرح هذه القصّة من التّوراة الّتي بين أيديهم بالحرف، ونحن نأتي على ملخّصها تأثّرا له، فنقول:
جاء في سفر العدد في الفصل الثّالث عشر: إنّ شعب بني إسرائيل لمّا ارتحلوا من حصيروت ونزلوا ببرّيّة فاران، كلّم الرّبّ موسى بأن يبعث رجالا يجسّون أرض كنعان، من كلّ سبط رجلا واحدا. وكلّهم يكونون من رؤساء بني إسرائيل؛ فأرسلهم موسى وأمرهم أن ينظروا إلى الأرض، أجيّدة أم رديئة؟ وإلى أهلها، أشديدون أم ضعفاء؟ قليلون أم كثيرون؟ وأن يوافوه بشي ء من ثمرها.
فساروا واجتسّوا الأرض من برّيّة صين إلى رحوب عند مدخل حماة، ثمّ رجعوا بعد أربعين يوما. وكان موسى وقومه في برّيّة فاران في قادش، فأروهم ثمر الأرض، وقصّوا عليهم ما شاهدوه من جودة الأرض، وأنّها تدرّ لبنا وعسلا. ومن شدّة أهلها وقوّتهم وتحصّن مدنهم؛ فاضطرب قوم موسى. فأخذ كالب- أحد النّقباء- يسكتهم عن موسى، ويقول: نصعد ونرث الأرض فإنّا قادرون عليها. وخالفه بقيّة النّقباء، وقالوا: لا نقدر أن نصعد إليهم لأنّهم أشدّ منّا. وهوّلوا على بني إسرائيل الأمر وقالوا: شاهدنا أناسا طوال القامات، سيّما بني عناق، فصرنا في عيوننا كالجراد، وكذلك كنّا في عيونهم.
فعند ذلك ضجّ قوم موسى ورفعوا أصواتهم وبكوا، وقالوا: ليتنا متنا في أرض مصر أو في هذه البرّيّة، ولا تكون نساؤنا وأطفالنا غنيمة للجبابرة، وخير لنا أن نرجع إلى مصر، وقالوا: لنقم لنا رئيسا ونرجع إلى مصر.
فلمّا شاهد موسى ذلك منهم وقع هو وأخوه هارون على وجوههما أمام الإسرائيليّين، ومزّق من النّقباء يوشع بن نون وكالب ثيابهما، وكلّما بني إسرائيل قائلين:
إنّ الأرض الّتي مررنا فيها جيّدة، وإذا كان ربّنا راضيا عنّا فإنّه يدخلنا إيّاها، فلا تتمرّدوا ولا تخافوا أهلها فسيكونون طعمة لنا؛ إذ الرّبّ معنا. فلمّا سمع بنوا إسرائيل كلام يوشع وكالب قالوا: ليرجما بالحجارة، وكاد حينئذ أن يحيق ببني إسرائيل العذاب الإلهيّ، لولا تضرّع موسى إلى ربّه بأن يعفو عنهم، كيلا يكونوا أحدوثة عند أعدائهم المصريّين. فعفا تعالى عنهم.
وأعلم موسى أنّ قومه لن يروا الأرض الّتي أقسم عليها لآبائهم، وأنّهم يموتون جميعا في التّيه، إلّا كالبا، فإنّه لحسن انقياده سيدخل الأرض، وكذلك يوشع، وأعلمه تعالى أيضا بأنّ أطفال قومه الّذين سيهلكون في التّيه يكونون رعاة فيه أربعين سنة بعدد الأيّام الّتي تجسّس النّقباء فيها أرض الكنعانيّين، كلّ يوم وزره سنة ليعرفوا انتقامه، عزّ سلطانه.
ثمّ هلك النّقباء العشرة، الّذين شنّعوا لدى قومهم