المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 264
بالتّحامل عليها وتكليفها ما يصعب عليها، ذلّت خاضعة لصاحبها، وقلّ طمعها في اتّباعه لشهواتها. وبالعكس فكان إنفاق المال تثبيتا لها على الإيمان واليقين.
ويجوز أن يراد: وتصديقا للإسلام وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم، لأنّه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل اللّه علم أنّ تصديقه وإيمانه بالثّواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه.
و (من) على التّفسير الأوّل للتّبعيض، مثلها في قولهم: هزّ من عطفه وحرّك من نشاطه، وعلى الثّاني لابتداء الغاية، كقوله تعالى: حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ البقرة: 109.
ويحتمل أن يكون المعنى: وتثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين أنّها صادقة الإيمان مخلصة فيه، وتعضده قراءة مجاهد (و تبيينا من أنفسهم) .
فإن قلت: فما معنى التّبعيض؟
قلت: معناه أنّ من بذل ماله لوجه اللّه فقد ثبّت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معا فهو الّذي ثبّتها كلّها.
نحوه أبو السّعود (1: 308) ، والآلوسيّ (3: 35) ، ورشيد رضا (3: 67) .
العكبريّ: قوله تعالى: (ابتغاء) مفعول من أجله، (و تثبيتا) معطوف عليه. ويجوز أن يكونا حالين، أي مبتغين ومتثبّتين.
(من انفسهم) : يجوز أن يكون (من) بمعنى اللّام، أي تثبيتا لأنفسهم، كما تقول: فعلت ذلك كسرا من شهوتي. ويجوز أن تكون على أصلها، أي تثبيتا صادرا من أنفسهم. والتّثبيت: مصدر فعل متعدّ.
فعلى الوجه الأوّل يكون (من انفسهم) مفعول المصدر، وعلى الوجه الثّاني يكون المفعول محذوفا، تقديره: ويثبّتون أعمالهم، بإخلاص النّيّة.
ويجوز أن يكون (تثبيتا) بمعنى تثبّت، فيكون لازما، والمصادر قد تختلف ويقع بعضها موقع بعض، ومثله قوله تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا أي تبتّلا.
الفخر الرّازيّ: والغرض الثّاني: هو تثبيت النّفس، وفيه وجوه:
أحدها: أنّهم يوطّنون أنفسهم على حفظ هذه الطّاعة وترك ما يفسدها، ومن جملة ذلك ترك اتّباعها بالمنّ والأذى، وهذا قول القاضي.
وثانيها: وتثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين أنّها صادقة في الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة مجاهد وتثبيتا من بعض انفسهم.
وثالثها: أنّ النّفس لاثبات لها في موقف العبوديّة، إلّا إذا صارت مقهورة بالمجاهدة. ومعشوقها أمران: الحياة العاجلة والمال، فإذا كلّفت بإنفاق المال فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه، وإذا كلّفت ببذل الرّوح فقد صارت مقهورة من جميع الوجوه. فلمّا كان التّكليف في هذه الآية ببذل المال صارت النّفس مقهورة من بعض الوجوه فلا جرم حصل بعض التّثبيت، فلهذا دخل فيه (من) الّتي هي للتّبعيض.
والمعنى أنّ من بذل ماله لوجه اللّه فقد ثبّت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معا فهو الّذي ثبّتها كلّها،