فهرس الكتاب

الصفحة 3895 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 263

وهذا التّأويل الّذي ذكرناه عن مجاهد والحسن تأويل بعيد المعنى، ممّا يدلّ عليه ظاهر التّلاوة؛ وذلك أنّهم تأوّلوا قوله: وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ بمعنى: وتثبّتا، فزعموا أنّ ذلك إنّما قيل كذلك، لأنّ القوم كانوا يتثبّتون أين يضعون أموالهم.

ولو كان التّأويل كذلك لكان: وتثبّتا من أنفسهم، لأنّ المصدر من الكلام إن كان على تفعّلت: التّفعّل، فيقال: تكرّمت تكرّما، وتكلّمت تكلّما، وكما أن قال جلّ ثناؤه: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ النّحل: 47، من قول القائل: تخوّف فلان هذا الأمر تخوّفا، فكذلك وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ لو كان من تثبيت القوم في وضع صدقاتهم مواضعها، لكان الكلام: وتثبّتا من أنفسهم لا: وتثبيتا، ولكن معنى ذلك ما قلنا: من أنّه وتثبيت من أنفس القوم إيّاهم بصحّة العزم، واليقين بوعد اللّه تعالى ذكره.

فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون ذلك نظير قول اللّه عزّ وجلّ: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا المزّمّل: 8، ولم يقل:

تبتّلا؟

قيل: إنّ هذا مخالف لذلك، وذلك أنّ هذا إنّما جاز أن يقال فيه: (تبتيلا) ، لظهور وتبتّل إليه، فكان في ظهوره دلالة على متروك من الكلام الّذي منه قيل: (تبتيلا) وذلك أنّ المتروك هو تبتّل، فيبتّلك اللّه إليه تبتيلا.

وقد تفعل العرب مثل ذلك أحيانا، تخرج المصادر على غير ألفاظ الأفعال الّتي تقدّمتها، إذا كانت الأفعال المتقدّمة تدلّ على ما أخرجت منه، كما قال جلّ وعزّ:

وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا نوح: 17، وقال:

وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا آل عمران: 37، والنّبات: مصدر نبت، وإنّما جاز لمجي ء أنبت قبله، فدلّ على المتروك الّذي منه قيل: (نباتا) ، والمعنى: واللّه أنبتكم، فنبتّم من الأرض نباتا.

وليس قوله: وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كلاما يجوز أن يكون متوهّما به أنّه معدول عن بنائه. ومعنى الكلام:

ويتثبّتون في وضع الصّدقات مواضعها، فيصرف إلى المعاني الّتي صرف إليها قوله: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا المزّمّل: 8، وما أشبه ذلك من المصادر المعدولة عن الأفعال الّتي هي ظاهرة قبلها.

وقال آخرون: معنى قوله: تَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ: واحتسابا من أنفسهم. [و نقل قول قتادة ثمّ قال:]

وهذا القول أيضا بعيد المعنى من معنى التّثبيت، لأنّ التّثبيت لا يعرف في شي ء من الكلام بمعنى الاحتساب إلّا أن يكون أراد مفسّره كذلك، أنّ أنفس المنفقين كانت محتسبة في تثبيتها أصحابها، فإن كان ذلك كان عنده معنى الكلام، فليس الاحتساب بمعنى حينئذ للتّثبيت، فيترجم عنه به. (3: 69)

الزّجّاج: أي ينفقونها مقرّين أنّها ممّا يثيب اللّه عليها. (1: 347)

نحوه النّحّاس. (1: 291)

الجبّائيّ: توطينا لنفوسهم على الثّبوت، على طاعة اللّه. (الطّوسيّ 2: 338)

الزّمخشريّ: وليثبّتوا منها ببذل المال الّذي هو شقيق الرّوح، وبذله أشقّ شي ء على النّفس على سائر العبادات الشّاقّة وعلى الإيمان، لأنّ النّفس إذا ريضت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت