المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 266
فمتى أهملتها فقد تمرّنت واعتادت الكسل والبطالة والبخل وإمساك المال عن صرفه إلى وجوه الطّاعات ومقتضيات الإيمان، وحيث كلّفتها وحملتها على مشاقّ العبادات البدنيّة والماليّة تنقاد لك وتتزكّى عن عاداتها الجبلّيّة. ف (من) تبعيضيّة كما في قولهم:"هزّ من عطفه وحرّك من نشاطه".
فإن قلت: كيف يكون المال بعضا من النّفس حتّى تكون الطّاعة ببذله طاعة لبعض النّفس وتثبيتا لها على الثّمرة الإيمانيّة.
قلت: إنّ النّفس لشدّة تعلّقها بالمال كأنّه بعض منها، فالمال شقيق الرّوح فمن بذل ماله لوجه اللّه فقد ثبّت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه فقد ثبّتها كلّها.
ويجوز أن يكون"التّثبيت"بمعنى جعل الشّي ء صادقا محقّقا ثابتا، والمعنى تصديقا للإسلام ناشئا من أصل أنفسهم وتحقيقا للجزاء، فإنّ الانفاق أمارة أنّ الإسلام ناشئ من أصل النّفس وصميم القلب. ف (من) لابتداء الغاية، كما في قوله: حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ البقرة: 109، ولعلّ تحقيق الجزاء عبارة عن الإيقان بأنّ العمل الصّالح، ممّا يثيب اللّه ويجازي عليه أحسن الجزاء.
محمّد جواد مغنيّه: إنّه إشارة إلى أمرين: الأوّل:
أنّ المؤمنين يطلبون مرضاة اللّه من الإنفاق، الثّاني: أنّ هذا الإنفاق كان بدافع من أنفسهم لا بدافع خارجيّ.
وقيل: وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ معناه أنّهم يجاهدون أنفسهم ويمرّنونها على الطّاعة بالبذل. وهذا المعنى يصحّ إذا كانت (من) هنا بمعنى اللّام. (1: 416)
الطّباطبائيّ: [بعد الإشارة إلى أقوال المفسّرين قال:]
ومن هنا يظهر أنّ المراد بابتغاء مرضاة اللّه أن لا يقصد بالعمل رئاء ونحوه، ممّا يجعل النّيّة غير خالصة لوجه اللّه، وبقوله: وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ تثبيت الإنسان نفسه على ما نواه من النّيّة الخالصة، وهو تثبيت ناشئ من النّفس واقع على النّفس. فقوله: (تثبيتا) تمييز، وكلمة (من) نشويّة، وقوله: (انفسهم) في معنى الفاعل، وما في معنى المفعول مقدّر.
والتّقدير: تثبيتا من أنفسهم لأنفسهم، أو مفعول مطلق لفعل من مادّته. (2: 391)
وفيها بحوث لا حظ"ن ف ق".
2 -.. وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا. النّساء: 66
السّدّيّ: أي تصديقا. (208)
الطّوسيّ: وقيل: في معناه قولان:
أحدهما: أنّ البصيرة أثبت من اعتقاد الجهالة، لما يعتري فيها من الحيرة واضطراب النّفس الّذي يتميّز من حال المعرفة بسكون النّفس إليه.
الثّاني: أنّ اتّباع الحقّ أثبت منفعة، لأنّ الانتفاع بالباطل يضمحلّ بما يعقب من المضرّة وعظيم الحسرة.
فالأوّل لأجل البصيرة، والثّاني لأجل دوام المنفعة. [إلى أن قال:]
فإنّ ذلك خير لهم وأشدّ تثبيتا لهم على الإيمان، وفي الدّعاء"اللّهمّ ثبّتنا على ملّة رسولك"ومعناه اللّهمّ ألطف