المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 271
الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ....
والتّثبيت في هاتين فعل روح القدس والملائكة، إلّا أنّه من عند الرّبّ المتعال وبأمره، ولعلّه فيما سبقهما كذلك، لكن نسب إلى اللّه، وهو السّبب الآمر، نظير"بنى الأمير المدينة"، إلّا أنّه على كلّ حال أفضل وأسمى، ويستدعي فضلا أكبر للمؤمنين.
وبينهما تفاوت أيضا، ففي (5) آلة روح القدس في عمله هو القرآن، دون (6) فهي مطلقة.
4 -التّثبيت في (11) و (12) - وقد جاء بلفظ المصدر- عمل المؤمنين، فإنّ عملهم- وهو الإنفاق في مرضاة اللّه في (11) ، وفعلهم ما يوعظون به في (12) - يستتبع تثبيتهم، وهاتان أيضا تعمّان التّثبيت الشّامل للقلب والقالب، كما في (5) و (6) تماما.
5 -وجاء في أربع منها- وهي (7 - 10) - تثبيت الأقدام من اللّه تعالى، وهو تعبير شائع عن الثّبات الشّامل والصّمود الكامل روحا وجسما، واستعارة لطيفة تشبيها لمن لا يزول قدمه في مشيه. ومثلها الآية (17) ، إلّا أنّها تعكس الثّبات بالزّوال والأقدام بالقدم، ففيها: فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها. وما يدرينا فلعلّ"تثبيت الأقدام"تعبير قرآنيّ شاع في الأدب العربيّ والإسلاميّ، ومثله كثير، فينبغي استقراءها خدمة للقرآن وبيان أثره على الأدب.
خامسا: أنّ هذه المادّة"ث ب ت"ميمونة الطّالع في القرآن، لأنّ سياقها جميعا مدح وترغيب وهداية، وحتّى (17) ، فإنّها ذمّ للعثرة وزوال القدم، وهذا عكس مادّة"ث ب ر"الآتية، فكلّها ذمّ وتفنيد، وهذه المادّة كلّها ثبات في سبيل اللّه وفي الإيمان وطاعة اللّه والجهاد، وهو خير ثبات وأفضل صمود.
سادسا: أنّ سبعا من الآيات- وهي (1 - 5) ، و (16) و (17) - مكّيّة، والباقي- وهي أكثرها- مدنيّة.
وهذا يكشف عن أنّ المؤمنين في ساحة المدينة- وقد شكّلوا فيها حكومة، ودافعوا عن أنفسهم بالقتال والجهاد، وتقلّدوا السّلاح- كانوا يحتاجون التّوصية بالصّمود، وكان فضل اللّه عليهم بالثّبات في سبيله أكثر من مكّة، إلّا أنّ سيطرة المشركين عليها تستدعي أيضا صمودا باطنيّا، بلا أيّ سلاح سوى سلاح العقيدة والتّوحيد والإخلاص والرّجاء بوعد اللّه، فالثّبات في مكّة نفسانيّ تماما، وفي المدينة شامل لكلّ الأبعاد، على أنّها أوسع ميدانا، وآمن جنابا.