فهرس الكتاب

الصفحة 3902 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 270

ومصدرا مرّتين في (11) و (12) .

رابعا: لا ريب أنّ التّثبيت في جميع الآيات يتضمّن المبالغة والتّأكيد المفهومين من صيغة (التّفعيل) ، كما أنّ أكثرها- لو لا جميعها- معنويّ ونفسانيّ، إلّا أنّ بينها تفاوتا ملموسا من جهات:

1 -جاء في (1) : وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، وهو تثبيت قلب النّبيّ لئلّا يميل إليهم ويركن، لا على حساب الإيمان، فإنّه كان ثابتا في إيمانه، لم يختلج قلبه شكّ، ولم يساور فكره شرك قطّ، ولم ينح نحوهم بعد إيمانه طرفة عين. فهذا يخفّف الخطأ المحتمل منه، ورغم ذلك فقد كان ميلا قليلا جدّا، وهذا الميل القليل إلى الكفّار كاد يصدر عنه. استجلابا لقومه إلى الإيمان بربّه- بطبيعته البشريّة، لا بوصفه نبيّا مرسلا، ومع ذلك أعقبه الوعيد بالعذاب على تقدير صدوره عنه، ولكنّ اللّه تعالى عصمه بلطفه من هذا الميل الضّئيل بوصفه نبيّا معصوما، فلم يصدر عنه، وهذا أجدر بالعصمة وأحسن تآلفا معها.

وقد حملها المفسّرون على الرّكون إليهم في رفض الإيمان باللّه، فأشكل عليهم الأمر، فأوّلوها بوجوه، لاحظ النّصوص.

ووصل بعضهم الآية بما قبلها، وهو قوله: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا الإسراء: 73، ومعنى ذلك أنّه كاد أن يلبّي طلبهم بالافتراء على اللّه غير القرآن، وهذا منه في غاية البعد؛ إذ هو أعظم من رفض الإيمان الّذي أنكرناه.

وقد حكى الطّبرسيّ (3: 432) عن ابن عبّاس أنّه قال:"رسول اللّه معصوم، ولكنّ هذا تخويف لأمّته، لئلّا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركين في شي ء من أحكام اللّه وشرائعه".

وبهذا الوجه أوّلوا هذا القبيل من الآيات الّتي تناقض العصمة. وروي عنه أيضا"أنّه لمّا نزلت هذه الآية، قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله: اللّهمّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا".

2 -جاء في (2) و (3) تثبيت فؤاد النّبيّ بالقرآن:

وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وكَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا، وهذا دليل على أنّ النّبيّ كان يتذكّر بالقرآن ويتثبّت به، ويعتبر بقصصه كلّما نزلت آية أو قصّة نجوما، وهذا مقتضى الطّبيعة البشريّة، وحقيقة هذا التّثبيت لفؤاده عليه السّلام مزيد اطمئنانه بمستقبل الإسلام، والانبعاث الرّوحيّ لحياته بتلقّيه الوحي نجوما، والاستمرار بجهاده في سبيل اللّه، وصموده أمام الأعداء.

3 -جاء في (4) و (5) و (6) تثبيت المؤمنين على الحقّ إطلاقا، فيعمّ تثبيت قلوبهم وأعمالهم، ففي (4) :

يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وهذا تثبيت من اللّه لهم في الدّارين تماما، ولا يختصّ القول الثّابت فيها بالاعتراف باللّسان فحسب، بل يعمّ العقيدة والعمل جميعا. وهذا تعبير شائع عن الصّمود المطلق، ولعلّ أصله القرآن.

وفي (5) نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا ... وفي (6) : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت