فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 287
صاح وبكى يحسّ بخفّة وراحة في نفسه.
ثالثا: قوله: لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا ... توبيخ وتقريع ونوع تهكّم لهؤلاء، سواء كان لسان حال أم مقال، أي كرّروا هذا القول ما استطعتم، فإنّه لا ينفعكم اليوم، سواء استقللتم منه أم استكثرتم. فهو في معنى قوله: اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ الطّور: 16، وقوله حكاية عنهم: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ إبراهيم: 21، كذا أفاد الطّباطبائيّ.
رابعا:"ثبور"مصدر مثل: قعود وحضور، وهو مفعول"دعا"كما سبق، وقيل: مفعول مطلق للفعل"ادعوا"أي ادعوا دعاء ثبورا، أو لفعل محذوف، أي ادعوا قائلين ثبورا، وهو بعيد.
خامسا:"المثبور"في (4) اسم مفعول، يحكي عن أنّ الفعل"ثبر"جاء متعدّيا أيضا، كما جاء لازما في باقي الآيات، لأنّه فيها بمعنى الهلاك دون الإهلاك. قال الزّجّاج:"ثبر الرّجل، فهو مثبور"، وذكروا في معناه:
ملعون، ومغلوب، ومهلك، ومجنون أو مخبول لا عقل له، ولا عقل له في دينه ومعاشه، وناقص العقل، وملعون محبوس أو ممنوع من الخير، ومخالف، وهالك، ومسحور، ومبدل، ومبتلى، ومصروف عن الخير مطبوع على عقله، مطبوع على الشّرّ، وبعيد عن الخير، وهالك يدعو بالثّبور. وجمع بعضهم بين هذه الأقوال، وقد أرجعها النّحّاس إلى معنى واحد، بحجّة أنّه بمعنى الصّرف والمنع في أصل اللّغة.
سادسا: نبّه الرّازيّ على أنّ فرعون قال لموسى في الآية السّابقة: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا، فأجابه موسى بنفس السّياق: وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا، أي أنت تنكر هذه الآيات الباهرات حسدا وبغيا وصبوا إلى الدّنيا، ومن كان كذلك فعاقبته الدّمار والثّبور. وقد قابل الآلوسيّ بين القولين، فقال:"و قد قارع موسى ظنّه بظنّه، وشتّان ما بين الظّنّين، وإنّ ظنّ فرعون إفك مبين، وظنّ موسى عليه السّلام يحوم حوم اليقين".
ونقول: لا يبعد أنّ (مثبورا) جاء بهذه الصّيغة رويّا متلائما مع (مسحورا) على خلاف المعتاد، وله نظير في القرآن، مثل: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ الصّافّات:
130، وقد سبق في"إلياس"فلاحظ.
سابعا: استبعد الآلوسيّ تفسيره ب"هالك"، لأنّ فيه خشونة تنافي ما أمر اللّه موسى وهارون بقوله: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا طه: 44.
وأجاب عنه أبو حيّان بأنّ موسى كان أوّل الأمر يتوقّع من فرعون المكروه، كما قال: إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى طه: 46، فأمر أن يقول له قولا ليّنا. فلمّا قال له اللّه: (لا تخف) ، وثق بحماية اللّه تعالى، فتشدّد في مجابهته بمثل هذا الكلام.
ثامنا: أطالت بنت الشّاطئ البحث في هذه المادّة، حتّى استقرّ رأيها على أنّ الثّبور هو الهلاك المستمرّ. ولذا فسّره الرّاغب بالهلاك والفساد والمثابرة على الإتيان، وفي المثابرة معنى الدّأب والاستمرار.
تاسعا: تخصّ الآيات الأولى الهلاك في الآخرة- كما سبق- أمّا هذه الآية فتخصّ الهلاك في الدّنيا، وإن استتبعه الهلاك في الآخرة، إلّا أنّها مشتركة في كونها مكّيّة، تلائم جوّ الإنذار الشّاسع للمشركين.