فهرس الكتاب

الصفحة 3918 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 286

"الثّبور"في السّريانيّة بلفظ"تبرا"بنفس المعنى أيضا.

الاستعمال القرآنيّ

جاء من هذه المادّة لفظان هما:"ثبورا"أربع مرّات في الثّلاث الأولى، و"مثبورا"مرّة في الأخيرة:

1 -وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا الفرقان: 13

2 -لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا الفرقان: 14

3 -فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا الانشقاق: 11

4 -قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا. الإسراء: 102

يلاحظ أوّلا: أنّ"ثبورا"جاء مصدرا مفعولا للفعل"دعا"في الثّلاث الأولى. وقد كرّر الفعل وفاعله ومفعوله في (1) و (2) - وهما متّصلان معا- ثلاث مرّات، تأكيدا وتشديدا للوعد بعذاب السّعير في الآخرة. فقبلهما بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا* إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا* وَإِذا أُلْقُوا مِنْها ... الفرقان: 11 - 13، وهذا عند دخول السّعير وذوق ألم النّار.

وأمّا في (3) فلم يتكرّر الدّعاء بالثّبور، لأنّه قبل حلول العذاب عند تلقّي كتاب الأعمال، فقبلها وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ* فَسَوْفَ ....

ودعاء الثّبور عند العرب مثل:"و اويلاه، واثبوراه"أو"وا هلاكاه"مع تكرار الدّعاء عند مواجهة الضّيق والمشقّة، وهجوم البلاء والآلام عليهم، شكاية من شدّة البلاء. وكلّما اشتدّ العناء، وعظم البلاء، دامت الأرزاء، وتكرّر الدّعاء. ولهذا قال في (2) : لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا، أي أنّ العذاب بلغ مبلغا من الشّدّة، يستدعي أن تدعوا ثبورا كثيرا لا ثبورا واحدا.

وقال فيه الزّمخشريّ:"لأنّ العذاب أنواع وألوان، لكلّ نوع منها ثبور لشدّته وفظاعته، أو لأنّهم كلّما نضجت جلودهم بدّلوا غيرها، فلا غاية لهلاكهم". وزاد عليه الفخر الرّازيّ"بأنّ ذلك العذاب دائم خالص عن الشّوب، فلهم في كلّ وقت من الأوقات الّتي لا نهاية لها ثبور ...".

ثانيا: قال الزّمخشريّ وغيره بأنّ معنى الدّعاء:

"تعال يا ثبور فهذا حينك وزمانك". وعليه فالدّعاء منهم حقيقيّ، لأنّهم يلتمسون الهلاك ليخلصوا من العذاب، فهو نوع احتيال للتّخلّص من الشّدّة. وهذا مثل قول الرّجل عند الشّدّة:"اللّهمّ ارزقني الممات، وخلّصني من هذه الحياة"، لأنّ الموت عنده حينئذ أحلى من الحياة، كما قيل:"أشدّ من الموت ما يتمنّى معه الموت". وهذا معنى يتلائم مع المعنى الأصليّ للثّبور، وهو الانصراف، لأنّه بالموت ينصرف عن الحياة.

وهناك رأي بأنّ الدّعاء هنا ليس حقيقيّا، بل هو عبارة عن تمنّي الموت، فهو حاك عن حالتهم النّفسيّة، لا عن مقالتهم اللّسانيّة، فهو لسان حال، لا نقل مقال.

ومثله يقال في وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا، أي هم بحسب حالتهم أحقّاء بأن يقال لهم ذلك، وإن لم يكن ثمّة قول.

وهذا وجه حسن، وأحسن منه ما احتمله الرّازيّ خلال كلامه: أنّهم يجدون بهذا القول خفّة، فإنّ المعذّب إذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت