فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 293
إرادته، فعزوف عمّا يريد. فليس"الثّبط"مطلق الحبس والمنع والصّرف وما يراد فيها، وإنّما هو انصراف عن عمل أراده، فكسل وثقل، ووهنت إرادته. وهذا المعنى المزدوج من الثّقل وضعف الإرادة لا يؤدّيه إلّا الثّبط.
أمّا التّثبيط فهو إيجاد الثّقل وتضعيف الإرادة في الإنسان من الغير، أو كلا الثّبط والتّثبيط متعدّ، لمجي ء المثبوط في اللّغة. وقد لاحظها بعضهم في تفسيرها مع تفاوت في تقديم الاستثقال على وهن الإرادة أو تأخيره عنه، ولكلّ منهما وجه.
وعليه فصيغة"تفعيل"هنا للتّأكيد والتّشديد دون التّعدية، ولعلّ هذه هي النّكتة في الإتيان ب"ثبّط"، إضافة إلى الجناس النّاقص بين"الانبعاث"و"ثبط"في حرف"الثّاء".
رابعا: نسب التّثبيط هنا إلى اللّه؛ حيث قال: كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ، أي أنّ اللّه كرّه خروجهم معكم، فسلّط عليهم الثّقل، ووهّن عزيمتهم، وبذلك قويت شبهة الجبر.
وقد استخلص منها الطّبرسيّ بقوله:"فثبّطهم عن الخروج الّذي عزموا عليه- وهو الإفساد والتّفتين بين المجاهدين المذكورين في الآية اللّاحقة- لا عن الخروج الّذي أمرهم به، لأنّ الأوّل كفر، والثّاني طاعة".
وقال الطّباطبائيّ:"أي جزاهم بنفاقهم، وامتنانا عليك وعلى المؤمنين، لئلّا يفسدوا جمعكم، ويفرّقوا كلمتكم بالتّفتين وإلقاء الخلاف".
وأمّا السّيّد فضل اللّه فحلّ المشكلة بما ذكره مرارا من أنّ نسبة ما يقوم به الإنسان من أعمال السّوء في القرآن إلى اللّه، جريا على قانون السّببيّة الّذي يمرّ من خلال الأسباب المباشرة، الّتي منها إرادة الإنسان، وتنتهي إلى اللّه، فلاحظ.
أمّا المعتزلة والشّيعة وأتباعهم، فعندهم تأويلات مختلفة يكرّرونها ذيل الآيات. وأمّا الأشاعرة ومعهم السّلفيّة- فيحتفظون بظاهرها، ويستدلّون بها على مذهبهم بأنّ أفعال العباد هي فعل اللّه، ويستخلصون من شبهة الجبر بالقول بالكسب، لا حظ"ك س ب".
خامسا: قوله: كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ، فالتّثبيط متفرّع على كراهة الانبعاث، أي لمّا كره اللّه انبعاث المنافقين بعد البعث إلى القتال، ولم يرض بخروجهم ونهوضهم للقتال، فثبّطهم. والانبعاث مطاوعة البعث، وعدم الانبعاث عبارة أخرى عن تثاقلهم وعدم تحرّكهم، وتأثّرهم بالأمر بالقتال.
فجاءهم التّثبيط، وهو ضعف الإرادة والكسل مع الثّقل، فما أحسن الالتئام والانسجام بين الانبعاث والثّبط معنى، كما أنّ بينهما جناسا مّا لفظا بتكرار حرف"الثّاء"فيهما كما سبق.
سادسا: لعلّ قوله: وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ بلفظ"قيل"مجهولا إشارة إلى هذا الوهن النّفسيّ الّذي جاءهم من دون أن يعلموا مصدره، دون أن يخاطبوا بخطاب يسمعونه بمسامعهم.