المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 317
ثانيا: كلتا الآيتين مدنيّة متعلّقة بالحرب والقتال، ونحن نعلم أنّ المدينة كانت بعد الهجرة دار الحرب والدّعوة معا. أمّا مكّة فكانت دار الدّعوة فقط، ولم تكن دار حرب، لأنّ السّلطة فيها كانت للمشركين دون المسلمين، فلم يأذن اللّه فيها بالقتال، بل أمر النّبيّ والمسلمين فيها بالصّبر والانتظار في عدّة آيات.
ثالثا: جاء فعل"الإثخان"فيهما مرّتين: مضارعا في (1) : يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ دون مفعول، مع فِي الْأَرْضِ ظرفا له، وفاعله الضّمير الرّاجع إلى النّبيّ، وماضيا في (2) : (اثخنتموهم) ، وفاعله المؤمنون، ومفعوله الكفّار، فجاء الفعلان فيهما بتفاوت ملحوظ، له دخل في المعنى.
وبيان ذلك أنّ"الإثخان"- كما سبق- لا يعني القتل أو الإكثار في القتل، كما زعمه بعضهم، بل أصله الثّقل في الأرض، أي ملازمتها. والثّقل- كالجرح والمرض- سبب للثّخونة، كما قال: فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ، فالإثخان فيها نهاية لضرب الرّقاب وغايته، وليس عينه. فمعنى (اثخنتموهم) غلبتموهم حتّى أثخنوا في الأرض، وسلبت منهم القدرة على الحرب والمقاومة.
أمّا"الإثخان"في (1) فيحتمل هذا المعنى، أي ليس لنبيّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن عدوّه في الأرض، فحذف المفعول، وأضيف إليه (فى الارض) توضيحا لما يستفاد من نفس الفعل.
ويحتمل معنى آخر- وهو أولى بالسّياق- أي حتّى يثقل النّبيّ، ويتمكّن في الأرض، وتستقرّ له الغلبة فيها.
وهذا عكس الأوّل فلوحظ الفعل في الأوّل متعدّيا وأريد به الغلبة على الأعداء، وفي الثّاني لازما وأريد به تمكّن النّبيّ في الأرض.
غير أنّ النّتيجة واحدة، وهي أنّه لا يجوز اتّخاذ الأسرى في ساحة القتال، إلّا بعد إضعاف العدوّ وسيطرة المؤمنين عليه، واستقرارهم في الأرض.
رابعا: وبهذا ظهر توافق الآيتين مغزى ومعنى توافقا تامّا، كما صرّح به غير واحد منهم. وقد بسط السّيّد قطب القول فيه، إلّا أنّ هناك قولا باختلافهما، قال الطّبرسيّ (5: 97) ما خلاصته:"قيل: كان الأسر محرّما بآية الأنفال، ثمّ أبيح بهذه الآية"آية محمّد"، لأنّ هذه السّورة نزلت بعدها."
والمرويّ عن أئمّة الهدى صلوات الرّحمان عليهم:
"أنّ الأسارى ضربان: ضرب يؤخذون قبل انتهاء القتل- والحرب قائمة- وضرب يؤخذون بعد أن تضع الحرب أوزارها، وينتهي القتال. فالإمام يخيّر في الأوّل بين قتلهم وبين قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ويتركهم حتّى ينزفوا، وفي الثّاني بين المنّ والفداء ..."
ويستفاد من رشيد رضا: أنّ آية الأنفال تمنع الأسر قبل"الإثخان"، وآية محمّد تجيزه بعد"الإثخان"، فهو قريب ممّا اخترناه، ولكن يلوح منه الاختلاف فلاحظ، وتمام الكلام في"الأسرى"من"أ س ر".