المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 349
ثانيا: تلحظ في هذه الآيات وتتكشّف منها أمور:
1 -إنّها جميعا مكّيّة، جاءت إقناعا للمشركين الّذين طلبوا من النّبيّ الإتيان بآيات ومعجزات سوى القرآن. وكان يجيبهم بأنّ الآيات عند اللّه، وأنّه قادر على الإتيان بها، كما أتى بها للأمم السّابقة، إلّا أنّه اختار لي القرآن آية على أنّ معظم القصص القرآنيّة حول الأنبياء جاءت في المكّيّات، إقناعا للمشركين بمكّة، وهم الرّعيل الأوّل من المنكرين للنّبوءات عامّة، ولنبوّة نبيّنا عليه السّلام خاصّة.
2 -إنّه كان لموسى عليه السّلام في آيتي العصا واليد البيضاء ثلاثة مواقف في ثلاث طوائف من الآيات، بهذا التّرتيب:
أ- موقف التّعريف والتّجربة في الطّور أمام اللّه، جاء في الطّائفة الأخيرة من الآيات ثلاث مرّات.
ب- موقف الإجراء والاحتجاج أمام فرعون، جاء في الطّائفة الأولى منها مرّتين.
ج- موقف المجابهة لسحر السّحرة أمام الجمهور، جاء في الطّائفة الوسطى ثلاث مرّات.
3 -وها نحن نوضّح القول في هذه المواقف الثّلاثة:
الموقف الأوّل:
أ- جاء عقيب رؤية موسى النّار على الشّجرة في الوادي الأيمن من الطّور، وأنّه نودي منها، وأنّ اللّه عرّف نفسه بدء لموسى في"القصص"ب إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ، وفي"النّمل": إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وفي طه (12 - 14) : إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً* وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي.
ممّا ينبئ بأنّ اللّه تعالى وصف نفسه بهذه الأوصاف جميعا، وفرّقها على السّور الثّلاث. أو هي نقل بالمعنى وبالإجمال والتّفصيل لنكات بلاغيّة، وما أكثره في القرآن! ولا سيّما في قصص الأنبياء، [لاحظ بحث القصص من"المدخل"] فركّز- في القصص- إجمالا أنّه ربّ العالمين، وفي"النّمل"أنّه العزيز الحكيم، وفي"طه"تفصيلا إِنِّي أَنَا رَبُّكَ، فاعرف موقفك أمامي وفي الموضع الّذي أنت فيه، وهو الوادي المقدّس، وأنّني أَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى. ثمّ قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ ... ، مع ما فيها من التّأكيد والتّفصيل، إضافة إلى ما جاء في"القصص"و"النّمل".
ب- ثمّ تلاها في السّورتين مباشرة حديث إلقاء موسى عصاه، بألفاظ متقاربة"و ألق"أو أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ. ثمّ اختلفتا في حديث خوف موسى، ففي"القصص": يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ، وفي"النّمل": يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ....
ج- ثمّ تلاهما حديث اليد البيضاء بتفاوت، مثل:
اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ وأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ، [لاحظ"البيضاء"من (ب ي ض) ] مع إضافة في"النّمل": فِي تِسْعِ آياتٍ، وقد جاء فيهما في تبديل العصا: كَأَنَّها جَانٌّ.
أمّا في"طه"فهذه التّجربة بدأت بأخذ الاعتراف من موسى، في وصف عصاه بأوصاف عاديّة توجد في