المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 350
كلّ عصا، فاقدة أيّ خصلة خارقة للعادة: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ... طه: 17.
وهي نكتة عريقة في البلاغة، لم ترد في"القصص"و"النّمل"، وجاء فيها بدل كَأَنَّها جَانٌّ* قوله: فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى، وسنتناولهما بالبحث في"ثعبان".
وجاء في شأن خوف موسى قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى، وفيه اطمئنان وتسكين أكثر لموسى؛ حيث أعادها إلى سيرتها الأولى. وجاء في شأن اليد البيضاء بدل اسْلُكْ يَدَكَ وأَدْخِلْ يَدَكَ قوله:
وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ [لاحظ"البيضاء"] وفيها إضافة لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى.
الموقف الثّاني: جاء مرّتين في"الأعراف"و"الشّعراء"، حيث أعلن موسى برسالته أمام فرعون فأنكرها، فأخبره بأنّ له آية على رسالته بألفاظ متفاوتة، فأذن فرعون له تشكيكا فيها فَأْتِ بِها (أو به) إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. ثمّ تلتهما جملتان متجانستان، متشابهتان تماما وصارمتان في شأن العصا واليد البيضاء: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ* وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ.*
وكأنّ هذا التّعبير الجازم فيهما ردّ ومقابلة لتشكيك فرعون في صدق موسى بقوله: إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.* وفيهما تلاحم في المعنى بين ثُعْبانٌ مُبِينٌ* وبَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ،* فإنّ"المبين"هو الأمر الواضح للعيان، مثل: بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ.*
الموقف الثّالث: جاء ثلاث مرّات في ثلاث سور:
الأعراف وطه والشّعراء بتفاوت كبير:
أ- ففي"الأعراف"و"طه"قال السّحرة لموسى: إمّا أن تلقي أنت أوّلا، أو نلقي نحن، فقال لهم: بل ألقوا أنتم أوّلا. أمّا في"الشّعراء"فاكتفى بقوله: قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ.*
ب- وفي"الأعراف": فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ، وفي"طه":
فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى، وفي"الشّعراء": فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ.
ج- وفي"طه": فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى * قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى، ولم يأت حديث خوف موسى في الأعراف والشّعراء.
د- واشتركت الشّعراء والأعراف في قوله: فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ،* واختصّت"طه"بقوله: وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى، لا حظ"ل ق ف"و"ص ن ع".
ثالثا: حول هذه الآيات بحوث:
الأوّل: جاء في آيتين كَأَنَّها جَانٌّ،* وفي آية فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى، وفي آيتين فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ.* فقالوا: إنّ الجانّ حيّة صغيرة، والثّعبان: حيّة كبيرة، واكتفى أكثرهم باختلاف آيات الجانّ والثّعبان، وضمّ بعضهم إليها آية حَيَّةٌ تَسْعى. وقد أطالوا البحث فيها، فاعترف بعضهم باختلاف الموقفين، ولم يعترف به بعض آخر. وجملة ما ذكروه من الوجوه:
1 -إنّها كانت كالجانّ في خفّة الحركة، وكالثّعبان في