فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 506
عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ لقمان: 14
3 -وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ... فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ... البقرة: 233
وفيها جهات من البحث:
الأولى: أنّ المفسّرين والفقهاء اهتمّوا بآيتي الأحقاف والبقرة، وسكتوا عن آية لقمان مع دخلها في الموضوع، فجمعوا بينهما بحمل الأولى على أقلّ مدّة الحمل- وهي ستّة أشهر- وأكثر مدّة الرّضاع، وهي حولان. وأوّل من استنبط ذلك عليّ عليه السّلام، وتبعه ابن عبّاس ومن تلاه كما جاء في النّصوص. ولا بأس بهذا الجمع، إلّا أنّ الأمر لا ينحصر به كما يأتي.
الثّانية: أنّ كثيرا من أهل السّنّة عدّوا أكثر مدّة الحمل بسنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس، لا حظ النّصوص. وخالفهم الإماميّة في ذلك، فالقول المشهور عندهم تسعة أشهر أو عشرة أو سنة.
الثّالثة: أنّ أقلّ مدّة الرّضاع عند الإماميّة والشّافعيّ (21) شهرا، وأكّدوا أنّ الأقلّ منه جفاء على الطّفل، إلّا فيما استثني نادرا.
الرّابعة: يخطر بالبال أنّ الآيتين الأوليين المكّيّتين لم يتعرّضا للتّشريع، بل لبيان ما كان تجري عليه العادة بين النّاس حين ذاك من مدّة الحمل والرّضاع معا ثلاثون شهرا، رغم أنّ بعضهم نيّف مدّة الرّضاع حتّى بلغت تمام الحولين. وسياقهما الوصيّة بالوالدين وإيفاء حقوقهما والإحسان إليهما بإزاء إيلادهما وحضانتهما الولد، وما تتحمّله الأمّ بالذّات من الصّعوبات. فبدأ اللّه فيهما بقوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ، حيث كان لهما دخل في نشأته. ثمّ التفت إلى هموم الأمّ في حمله، حيث قال في الأولى: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا، وفي الثّانية: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ، أي أنّها كانت مكرهة في حمله ووضعه، وكان يعرض لها في حملها وهن بعد وهن، لأنّه كلّما يكبر الجنين في بطنها يعرض لها وهن كثير حتّى تضعه، فيمثّل لنا هذا السّياق هموم الأمّ ومعاناتها في حمل الطّفل.
ثمّ تعرّض فيهما لمشقّة الرّضاعة إلى جنب الحمل، وهي على عهدة الأمّ أيضا، وعلى الأب النّفقة. فجمع في الأولى مدّة الحمل والرّضاع في ثلاثين شهرا، وكانت المتعارفة لهما في مكّة وغيرها، واكتفى في الثّانية ببيان أكثر مدّة الرّضاع- وهي حولان- إمعانا في وصف ما تكابده الأمّ.
هذا ما في الآيتين المكّيّتين وفاقا لسياق الآيات المكّيّة، أمّا الآية الأخيرة المدنيّة فسياقها التّشريع لحكم الرّضاع ومدّته جريا على ما اعتاده النّاس من إكمال الحولين- وهو الأولى- أو الاكتفاء بما دونهما، حيث قال:
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ، فلم يحتّم الإكمال، بل خصّه بمن أراد أن يتمّ الرّضاعة. وفيه تصريح بأنّ إتمام الرّضاعة بإكمال