المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 511
ولدا، وهو مالك السّماوات والأرض إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ... ، وفي (9) : ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ... ، أي أنّ اللّه سبحانه هو مالك كلّ شي ء، وبيده أزمّة الأمور، فإذا قضى أمرا فيوجده بإرادته من دون حاجة إلى معين وسبب، فليس له ولد.
ويخطر بالبال في هاتين الآيتين أنّ المفهوم من الآية الأولى أنّه غنيّ، ويستحيل أن يكون له ولد، فإنّه لم يلد ولم يولد. ومن الثّانية أنّه مع غنائه عن الولد فلا يتّخذ أحدا من النّاس ولدا لنفسه. وهذا دحض لرأي من يقول: إنّ عيسى ليس ولدا للّه حقيقة، بل اتّخذه ولدا لنفسه تشريفا وتكريما له.
7 -كما ركّزت الآيات في رفض الشّرك، وعبادة غير اللّه، واتّخاذ بعض النّاس بعضهم وكذلك الملائكة والنّبيّين أربابا من دون اللّه في (4) ، وأنّ ذلك كفر في: (4) و (6) و (7) و (9) ، وأنّ المسيح نفسه اعترف بأنّه عبد اللّه (9) : إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ، وأنّه ليس له أن يقول:
إنّني ولد اللّه (8) : ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ، و (9) : إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، وأنّه ليس لرسول أن يدعو النّاس إلى عبادته في (4) .
8 -وأنّ عبادة غير اللّه واتّخاذ ولد له هو استكبار واستنكاف عن عبادته (5) : وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا، لاحظ"استكبار"من (ك ب ر) و"استنكاف) من (ن ك ف) ."
9 -وأنّ القول بألوهيّة عيسى غلوّ في الدّين (5) :
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ و (7) : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ، لاحظ"غلوّ"من (غ ل و) .
10 -وأنّ في كلام النّصارى تناقضا، فإنّهم قالوا مرّة: إنّ اللّه هو المسيح (7) : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، أي أنّ اللّه هو عين المسيح، وهذا يقتضي اتّحادهما ذاتا أو وجودا، وأنّ اللّه لا وجود له إلّا في المسيح.
وقالوا في نفس الوقت: إنّ المسيح ثالث ثلاثة (7) ، أو قالوا بثلاثة آلهة (5) : وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ، فهذه أقوال متناقضة لهم، وقد صرّح القرآن بأنّهم قالوا بها، فهل هذه الآيات تشير إلى ثلاثة أقاويل لهم، كما جاء في بعض النّصوص؟ أو أنّها ترجع إلى قول واحد، يجمعها قولهم:"جوهر واحد وأقانيم ثلاثة"؟
وعندنا أنّها تحكي تشتّتهم واضطرابهم في التّعبير، لتردّدهم في فهم التّثليث، بحيث اعترف عظماؤهم بأنّ التّثليث لا يدرك بالعقول، بل تؤمن به القلوب.
11 -وقد اختلفوا في الثّلاثة، هل هم اللّه وعيسى ومريم؟ وهي عقيدة بعض فرقهم الّتي تسمّى ب"المريميّة". أو هم اللّه وعيسى وروح القدس؟ وهذا هو الشّائع في عصرنا، ولا قائل الآن بالأوّل، لاحظ النّصوص الطّويلة ذيل الآيات، ولا سيّما نصّ الآلوسيّ ورشيد رضا.
12 -ركّز القرآن- إضافة إلى قولهم بالتّثليث- في أنّهم اتّخذوا عيسى وأمّه إلهين (8) : يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ