المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 512
أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ و (6) : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ فهل كانت هذه عقيدة بعضهم بإزاء التّثليث؟ أو أنّها ليست سوى رفض ألوهيّة عيسى وأمّه، وكانوا يعبدونهما مع اللّه؟ الظّاهر أنّها كانت عقيدة- سوى التّثليث- عند الفرقة"المريميّة"، فيؤيّد اعتقاد بعض النّصارى بذلك حينذاك.
وقد طرح الطّبرسيّ (6: 268) في ذلك سؤالا: هل اتّخذ أحد من النّصارى مريم إلها؟ وأجاب عنه بوجوه، منها: أنّها إشارة إلى الفرقة"المريميّة"الّتي حكاها عن الشّيخ الطّوسيّ. ومنها: أنّهم حين اعتقدوا في المسيح أنّه إله لزمه القول بألوهيّة مريم، لأنّ الولد من جنس الوالدة. ومنها: أنّهم لمّا عظمّوهما تعظيم الآلهة أطلق اسم الآلهة عليهما.
وقد بسط صاحب المنار (7: 262) الكلام في ذلك بقوله:"أمّا أمّ عيسى فعبادتها كانت متّفقا عليها في الكنائس الشّرقيّة والغربيّة بعد"قسطنطين"، ثمّ أنكرت عبادتها فرقة"البروتستانت"الّتي حدثت بعد الإسلام بعدّة قرون". ثمّ بيّن أنّ عبادتها كانت عبارة عن صلاة ودعاء واستغاثة واستشفاع وصيام ونحوها، إلى أن قال:"و لكن لا تعرف عن فرقة من فرقهم إطلاق كلمة"إله"عليها، بل يسمّونها"والدة الإله". ويصرّح بعض فرقهم بأنّ ذلك حقيقة لا مجاز، والقرآن يقول هنا: إنّهم اتّخذوها وابنها إلهين، والاتّخاذ غير التّسمية، فهو يصدق بالعبادة، وهي واقعة قطعا ..."، ثمّ ذكر نصوصا في عبادة النّصارى لمريم، فلاحظ.
13 -كشف القرآن عن أمرين هامّين في شأن اعتقاد النّصارى للتّثليث وغلوّهم في عيسى:
أحدهما: أنّهم أخذوه ممّن سبقهم من الأمم الضّالّة (7) : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ وقد نبّه صاحب"المنار"فيما تقدّم من كلامه على وجود التّثليث بين كثير من الأمم السّابقة، ومنهم الرّوم، فتأثّرت النّصارى بهم.
ثانيهما: وجود الاختلاف البارز بين النّصارى في شأن عيسى وفي تفسير التّثليث، وهذا مشهود في تاريخهم بين طوائفهم إلى عهدنا (9) : ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ* فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ، و (10) : فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ، والتّعبير عن طوائفهم الّذين اختلفوا ب"الأحزاب"مرّتين، إيماء إلى عمق الاختلاف والتّنازع بينهم فيما اعتقدوه، وأنّ كلّ حزب بما لديهم فرحون، لاحظ (الأحزاب) من"ح ز ب".
وهل هذا الخلاف حدث بينهم بعد عيسى- كما يومئ إليه (8) : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ؟ وقد تقدّم عن صاحب"المنار"وغيره أنّ التّثليث لا أثر له في الأناجيل، وتقدّم عن بعضهم أنّ اختلافهم في تفسيره ظهر بعد أن جمع"قسطنطين"جميع طوائفهم في بلاطه- أو حدث في حياته كما نصّ عليه إنجيل"برنابا"، ففيه نصوص كثيرة تحكي أنّ قسطا كبيرا من رسالته جاء في رفض هذا الضّلال المبين الّذي نشأ من قبل خصومة اليهود، إفسادا