فهرس الكتاب

الصفحة 4145 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 513

لدينه وإهانة لشخصه، كما أشاعوا أحدوثة ادّعائه أنّه ملك بني إسرائيل الموعود، ليستثيروا الرّوم عليه، وقد تحقّقت بذلك أمنيّتهم.

14 -وكلّ ذلك إبطال لمزاعم النّصارى في عيسى، والّذي أثبته القرآن في (5) : وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ... ، وهي ثلاثة أوصاف لعيسى:

الأوّل: أنّه رسول اللّه، وقد كرّر في (7) :

مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، وفي (10) : إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ، وفي قوله: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ آل عمران:

والّذي يلفت النّظر أنّ القرآن أبان فيها أنّ عيسى رسول إلى بني إسرائيل خاصّة، وليس إلى النّاس عامّة كما تدّعيه النّصارى، وهذا يحتاج إلى دراسة جديدة.

كما أبان أنّ اللّه جعله مثلا لبني إسرائيل، قال الطّبرسيّ (9: 53) :"أي آية لهم ودلالة يعرفون به قدرة اللّه تعالى على ما يريد، حيث خلقه من غير أب، فهو مثل لهم يشبّهوا به ما يرون من أعاجيب صنع اللّه". وقال الطّباطبائيّ (18: 117) :"آية عجيبة إلهيّة يسير ذكره كالأمثال السّائرة". ويبدو منها أنّ اللّه أزال به شبهة النّصارى في المسيح النّاشئة من ولادته من غير أب ببيان أنّه آية من آيات اللّه كسائر آياته.

الثّاني: أنّه كلمة اللّه ألقاها إلى مريم، وأطلقت"الكلمة"عليه أيضا في آل عمران: 39، خطابا لزكريّا:

أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ قال الطّبرسيّ (2: 438) :"أي مصدّقا بعيسى، وعليه جميع المفسّرين وأهل التّأويل، إلّا ما حكي عن أبي عبيدة أنّه قال: بكتاب اللّه ...". وفي (45) أيضا خطابا لمريم: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وظاهرها أنّ عيسى هو كلمة اللّه ألقاها إلى مريم، وليس المراد أنّه بشارة اللّه بعيسى كما قيل. وقد ذكر رشيد رضا (3: 304) في سرّ إطلاق الكلمة عليه وجوها أربعة، أوّلها:"أنّه خلق بكلمة اللّه"كن"من دون أب". وذكر في (6: 82) وجه التّعبير ب"ألقاها"، كما ذكر الفخر الرّازيّ (8: 38) خمسة وجوه، واختار الطّباطبائيّ (5: 175) أنّه كلمة"كن"الّتي ألقيت إلى مريم البتول، وبحث عنها تفصيلا في (9: 193) ، فلاحظ.

وقد جاء في أوّل إنجيل يوحنّا:"في البدو كان الكلمة، والكلمة كان عند اللّه، وكان الكلمة اللّه .."

والكلمة صار جسدا، وحلّ بيننا، ورأينا مجده ..."."

وهذا هو مبدأ عقيدة النّصارى بأنّ عيسى هو اللّه، وأنّه كلمة اللّه. والقرآن يصدّق بأنّه كلمة اللّه، وينكر أنّه اللّه أو ابن اللّه. وعند النّصارى بحث طويل في فلسفة اللّاهوت حول"الكلمة"، لاحظ"الكلمة"من (ك ل م) .

الثّالث: أنّه روح من اللّه، وذكر في المنار (6: 82) فيه وجهين: أحدهما: أنّه مؤيّد بروح القدس، كما قال:

وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ البقرة: 87. وثانيهما: أنّه خلق بنفخ من روح اللّه، وهو جبرئيل، كما قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت