فهرس الكتاب

الصفحة 4206 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 573

بالتّنكير، إشعارا بأنّهما لا يدرك وصفهما وعظمتهما. ثمّ جمعهما في وصف (كبيرا) بالتّنكير أيضا لنفس السّبب، كأنّهما لا يوصفان ولا يحدّان إلّا ب (كبيرا) وكفى. ويشعر الجمع بين (نعيما) و (ملكا) أيضا ببلوغ النّعمة نهايتها، فإنّ نهاية سعة النّعمة هي الملك، فالأبرار ملوك الجنّة؛ يسعهم ما يسع الملوك في سلطانهم.

قال الطّبرسيّ (5: 411) :"نعيما خطيرا وملكا كبيرا، لا يزول ولا يفنى، عن الصّادق عليه السّلام. وقيل:"

(كبيرا) أي واسعا، يعني أنّ نعيم الجنّة لا يوصف كثرة، وإنّما يوصف بعضها. وقيل: الملك الكبير استئذان الملائكة عليهم وتحيّتهم بالسّلام. وقيل: هو أنّهم لا يريدون شيئا إلّا قدروا عليه. وقيل: هو أدناهم منزلة ينظر في ملكه من مسيرة ألف عام، يرى أقصاه كما يرى أدناه. وقيل: هو الملك الدّائم الأبديّ في نفاذ الأمر وحصول الأمانيّ"."

2 -كأنّ هذه الآية وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ ... إجمال وفذلكة لتلك النّعم العظام الجامعة للشّراب واللّباس وطواف الغلمان عليهم، والسّقي بأيديهم من أواني الفضّة والقوارير، ومن الكأس والسّلسبيل. وهذه هي حياة الملوك في الدّنيا. فوقعت الفذلكة موقعها؛ حيث جمعتها في نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا. ولم يكتف بها، بل أتّمها ووصفها مرّة أخرى بما يخصّ الملوك من دون تكرار حرف العطف، وكأنّها شرح لهذا الإجمال، وتركيز بعد تركيز في أنّهم ملوك حقّا، فقال: عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا، ثمّ ختمها بقوله: إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا الدّهر: 21، 22، ربطا بينها وبين ما وصفهم به من الأعمال: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ... إلى قوله: لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا الدّهر: 7، 9، أي أنّكم إذا لا تريدون جزاء وشكورا من هؤلاء الأيتام والمساكين والأسرى، فإنّا نجزيكم ونكيل لكم بصاع الملوك في هذه النّعم الكبرى، وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا الدّهر: 22، لاحظ (ب ر ر) : الأبرار، فتجد فيها بحثا وافيا حول هذه الآيات.

3 -قال بعضهم: معناها"و إذا رأيت ما ثمّ"بحذف الموصول، وهو مفعول (رايت) ، كما قيل في لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ الأنعام: 94، أي ما بينكم. وردّه الآخرون بأنّ (ثمّ) حينئذ تكون صلة ل"ما"، ولا يجوز حذف الموصول وترك الصّلة. وأجاب عنه أبو حيّان بأنّ ذلك ليس بخطإ مجمع عليه، بل قد أجازها الكوفيّون، وثمّ شواهد من لسان العرب.

وأمّا الطّبريّ فقال:"و عنى بقوله: (ثمّ) الجنّة"ونحوه الزّجّاج، فجعلاه مفعول (رايت) ، وجعله الزّمخشريّ ظرفا له، أي إذا رأيت في الجنّة. والأولى أنّه مفعول له، لكن أريد به تلك المواقف المذكورة والجوّ الّذي أحاط بها، دون الجنّة نفسها كما قاله الطّبريّ، فهذا أوفق بما عبّرنا عنه ب"عرف القرآن".

خامسا: جاءت (ثمّ) في (4) بسياق يشبه سياق (3) إشارة إلى جوّ الملك؛ حيث قال بشأن جبرائيل في رحاب القدس الإلهيّ، صاحب العرش العظيم: ذِي قُوَّةٍ أي فيما كلّف وأمر به من العلم والعمل وتبليغ الرّسالة عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، والعرش رمز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت