المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 572
إلى الكعبة. وهذا ما كان يتمنّاه المؤمنون والنّبيّ بالذّات، كما قال: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها البقرة: 144.
فهذه الآية وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ تمهيد لردّ دعواهم، حيث زعموا أنّ القبلة تعبير عن مكان اللّه، فأبطل زعمهم هذا قبل إعلان تغيير القبلة بأنّه ليس للّه مكان وجهة، وليس في المشرق والمغرب، فإنّهما للّه وليسا جهة له. بل (أينما تولّوا فثمّ وجه اللّه) وقد أعادها مرّة أخرى في آية تغيير القبلة هذه، تأكيدا لما ذكره أوّلا، وكذا في لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ البقرة: 177.
وما كانت القبلة الأولى باختيار النّبيّ- كما قيل- بل بإرشاد اللّه كما قال: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ البقرة: 143، وقد كانت هذه الحادثة امتحانا للمؤمنين الصّادقين الّذين رضوا بقبلة اليهود وهم منهم متنفّرون، وعليهم غاضبون. وكانت أيضا إغراء واستمالة لليهود؛ حيث أقرّ الإسلام قبلتهم، فأحسنوا الظّنّ بالإسلام، ولمّا غيّرها صوب المسجد الحرام أنكروها، بل أصرّوا على رفضها، كما قال: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ البقرة: 145.
أمّا الاحتجاج بالآية على جواز الاكتفاء بجهة المشرق والمغرب في صلاة النّافلة أو الفريضة في السّفر، فهذا احتجاج بالسّنّة دون الكتاب، لاحظ"ق ب ل".
ثالثا: مثّل اللّه تعالى في (2) قدرته القاهرة في نجاة موسى ومن معه، وهلاك فرعون ومن معه بأحسن بيان، في آيات قبلها وبعدها: فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ* قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ* فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ* وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ* وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ* ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ* إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ الشّعراء: 61 - 68.
وقد عبّر قبل هذه الآيات عن الفريقين بأسمائهما:
موسى وبني إسرائيل في جانب، وفرعون وأتباعه في جانب آخر، أمّا في هذه الآيات فقد ذكر موسى ومن معه ثلاث مرّات، ولم يعبّر عن فرعون وقومه إلّا بلفظ (الاخرين) مرّتين، تحقيرا لهم وكسرا لشوكتهم وكبحا لطغيانهم واستكبارهم. ويرمز لفظ (ثمّ) معهم في المرّة الأولى إلى ذروة قهر اللّه وقدرته، أي أنّه تعالى أزلف هناك وقرّب هؤلاء البعداء عن ساحة الرّحمة والامتنان إلى مذلّة الغيّ والافتتان.
رابعا: في (3) بحوث:
1 -أشار اللّه ب (ثمّ) إلى تلك المواقف الكريمة العالية للأبرار في الجنّة الّتي سردها في (15) آية- (5 - 19) - تأكيدا لنهاية علوّها ببعدها عن العبد وقربها إلى الرّبّ، فقال: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا.
وهذا السّياق بالذّات منفرد في القرآن؛ حيث جاء بلسان الفرض والتّقدير وَإِذا رَأَيْتَ، كأنّه أمر مستبعد، قلّما يقع ويصدق أن يتمكّن إنسان من نظر ورؤية ذلك الرّحاب المقدّس الفائق. فلو حدث أن رأى أحد (ثمّ) لرأى نعيما وملكا كبيرا، فناظر بين (نعيما) و (ملكا)