المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 605
و (16) و (18) أيضا. ووصف الرّيح في (13) بالعقيم، وهو ريح لا يجدي إلّا الدّمار دون الأمطار، فإنّ الأمطار تنشأ من الرّياح لامن ريح، كما تكرّر في القرآن، لاحظ"ر وح". وقد عدّوه في (18) ريحا ممطرا فنفاه اللّه: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ.
أمّا"ثمود"فعدّ جنايتهم الاستكبار والكفر وعقر النّاقة والعتوّ عن أمرهم والتّشكيك في رسالة صالح وتعييره بالكذب تارة، وأخرى عدّ جنايتهم- بعد أن دعاهم إلى ما يهديهم- استحباب العمى على الهدى في (4) علما بأنّ استحبابهم العمى على الهدى ناتج عمّا سبق من الكفر والاستكبار، وما تبعهما من الجنايات. فنسب إليهم مرتبة من الجرائم الّتي يترتّب بعضها على بعض، فذكر هنا أقبح مراتبها، وهو اختيار العمى على الهدى، أي الضّلالة على الهداية، وفيه جناس لطيف بذكر العمى- استعارة من الضّلال- مقابل الهدى.
9 -وعدّ عذابهم في (4) الصّاعقة دون الرّجفة، كما جعل عذاب عاد وثمود معا الصّاعقة في صدر آيات فصّلت (3) : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ.
والصّاعقة- كما قال الطّبرسيّ (5: 7) -"المهلكة من كلّ شي ء، وهي في العرف اسم النّار الّتي تنزل من السّماء فتحرق". وقال الفخر الرّازيّ (27: 114) : صاعقة العذاب: داهية العذاب". وقال الطّباطبائيّ (17: 377) :"
"فأخذتهم صيحة العذاب ذي المذلّة، أو أخذهم العذاب بناء على كون الصّاعقة بمعنى العذاب، والإضافة- في صاعقة العذاب- بيانيّة". وعذاب الهون هنا مثل عذاب الخزي في عاد جزاء لاستكبارهم.
فعلى ما ذكروه الصّاعقة تعمّ أنواع العذاب من الرّيح والرّجفة وغيرهما، وبذلك تتلائم الآيات.
ولنا رأي آخر، ولعلّه أولى ممّا ذكروه، وهو أنّ الصّاعقة جاءت في الآيات بمعناها المعروف، وهي النّار الّتي تنزل من السّماء، وأنّها تثير تارة ريحا صرصرا عاتية، تبدو بشكل صيحة، وأخرى رجفة، وثالثة حرقا.
وقد أثارت الصّاعقة على عاد ريحا صرصرا عقيما عاتية، وعلى ثمود الصّيحة: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ هود: 67، أورجفة: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ الأعراف: 78، وجاء مثل ذلك في قوم شعيب في الأعراف: 91، وفي العنكبوت: 37، وهي المراد بالطّاغية في (22) .
الثّاني عشر: لقد عبّر اللّه عن عاد وثمود ب"قوم هود وقوم صالح"رديفا لقوم شعيب، خطابا لهم: وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ هود:
الثّالث عشر: جاءت قصص عاد وثمود في القرآن عقيب قصّة نوح مباشرة في الأعراف وهود والشّعراء والقمر. فجاءت قصّة نوح في الأعراف موجزة في (6) آيات: (59 - 64) ، وفي القمر في (8) آيات: (9 - 16) ، وفي هود مفصّلة- وهي أطولها في القرآن- في (25) آية:
(25 - 49) ، وفي الشّعراء- وهي تتوسّط بينهما- في (18) آية: (105 - 122) .