المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 606
وبدأت قصّة عاد وثمود فيها بعد قصّة نوح، وكرّر اسمهما بعد اسم نوح في (4) و (5) و (6) و (7) و (10) و (11) و (12) . وكذا جاءت في الآية (13) من العنكبوت، إلّا أنّها تخلّلت بين قصّتيهما وقصّه نوح قصص إبراهيم ولوط بتفصيل، وقصّة شعيب بإيجاز. مع أنّ قصّة نوح جاءت فيها موجزة أيضا في آيتين: (14) و (15) .
أمّا في الذّاريات (46) فقد جاءت قصّة نوح بعد قصّة عاد وثمود على النّحو التّالي: وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ، وكذا في النّجم (52) :
وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى.
وجاءتا معا في الحاقّة والفجر وفصّلت، وجاء"ثمود"في البروج والشّمس دون نوح، حسب ما يقتضيه المقام.
الرّابع عشر: جاءت قصص إبراهيم ولوط وشعيب معا في الأعراف وهود، وانفردت قصّة هود عنهما في الشّعراء كلّها بعد قصّتي عاد وثمود. أمّا في العنكبوت فقد جاءت قصّتا إبراهيم ولوط مفصّلة بعد قصّة نوح، وجاءت عقيبها قصّة شعيب وعاد وثمود في ثلاث آيات موجزة.
وظهر من ذلك كلّه أنّ القرآن ركّز في إرداف قصص الأنبياء حسب التّاريخ، إلّا فيما استثني لنكتة، وأنّ عادا وثمودا كانا في الفترة بين نوح وإبراهيم عليهما السّلام.
الخامس عشر: تقدّم في النّصوص عن الطّباطبائيّ أنّ أهل الكتاب لم يعرفوا خبر عاد وثمود، ولم يرد ذكرهما في التّوراة، ثمّ قال:"لكن في القرآن ما يدلّ على أنّ موسى أخبر عنهما: وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ* أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ ... إبراهيم:"
8، 9". فاستظهر أنّ هذا من كلام موسى مع قومه، ولكن لم يضبط خبرهما، وإن كان مشهورا في زمن موسى. وقد قطع في ذيل هذه الآية (ج 12: 23) أنّه من كلام موسى، فقال:"يذكّر قومه من أيّام اللّه في الأمم الماضين ممّن فنيت أشخاصهم، وخمدت أنفاسهم، وعفت آثارهم، وانقطعت أخبارهم ..."."
واحتمل الطّبرسيّ (3: 305) أنّه من كلام موسى، أو خطاب من اللّه إلى نبيّنا عليه السّلام. وقد حكى الفخر الرّازيّ (19: 88) الوجهين عن أبي مسلم الأصفهانيّ، ثمّ قال:
"إلّا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنّه ابتداء مخاطبة لقوم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم".
وهذا هو المتعيّن عندنا، لأنّ موسى لم يكن يخاطب قومه بهذا التّفصيل عن عاد وثمود ومن تلاهما من الأمم البائدة من غير نسل إبراهيم، وإلّا لكان لهم ذكر في التّوراة، وليس فيها إلّا الأقوام المعاصرون لبني إسرائيل الّذين كانوا يقطنون في فلسطين ونواحيها. بل هذا الأسلوب مماثل لأساليب الآيات المكّيّة خطابا للمشركين، فلاحظ.
السّادس عشر: جاء في (14) : وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى، فاستظهروا منها أنّ عادا عادان: الأولى والأخيرة. قال الطّبرسيّ (5: 183) :"و هو عاد بن إرم، وهم قوم هود، أهلكهم اللّه بريح صرصر عاتية، وكان لهم عقب، فكانوا عاد الأخرى". وقال