فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 679
"قراءة الأمصار"، واختارها لإجماع الحجّة من القرّاء عليها، وعبّر عنها أبو حيّان والعكبريّ ب"قراءة الجمهور". وأمّا هذه القراءة فهي يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ بفتح الياء من (يثنون) ونصب (صدورهم) مفعولا للفعل.
الثّانية: تعني مادّة"ث ن ي"في الأصل- كما سبق- العطف والطّيّ، وقد فسّروها في الآية تارة حسب ظاهر اللّغة، أي طووا صدورهم على بطونهم، وأخرى تجوّزا كناية عن طيّ وإخفاء بغضهم وكفرهم في قلوبهم.
وتوضيحها أنّ قبلها الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ* أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ... وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ* إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ.
ثمّ قال: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ هود: 1 - 5، فهناك ذكر للكتاب وللّه وللرّسول، لأنّ سياقها أنّ النّبيّ نذير وبشير لهم من اللّه، وأنّه قال لهم: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ ....
وأنّهم كانوا إذا تلا النّبيّ عليهم الكتاب وأنذرهم وبشّرهم، كانوا يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ، أي كانوا يطأطئون رؤوسهم، ويعطفون صدورهم على بطونهم، ليستخفوا من النّبيّ وفي نفس الوقت كانوا يستغشون ثيابهم إمعانا في الاستخفاء منه، لئلّا يراهم يستمعون إليه، وإشعارا بأنّهم لا يسمعون كلامه بتاتا.
فسياقها سياق قول نوح: وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا نوح: 7.
قال قتادة:"كانوا يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب اللّه ... وذلك أخفى ما يكون ابن آدم إذا حنى صدره، واستغشى بثوبه، وأضمر همّه في نفسه، فإنّ اللّه لا يخفى ذلك عليه". وقال ابن عطيّة:"تطامنوا وثنوا صدورهم كالمستتر، وردّوا إليه ظهورهم، وغشّوا وجوههم بثيابهم، تباعدا عنه، وكراهة للقائه، وهم يظنّون أنّ ذلك يخفى عليه وعلى اللّه". ونظيرها قوله:
(ثانى عطفه) ، كما يأتي في المحور الثّالث.
وعليه فالضّمير في (منه) يرجع إلى النّبيّ، والعجب من الطّبريّ! حيث أرجعه إلى اللّه، ظنّا منه أنّه لم يجر لمحمّد ذكر، رغم أنّه ذكر مرّتين: إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وفَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ.
وقد فسّرها كثير منهم تجوّزا واستعارة بأنّهم يسرّون في صدورهم بغضهم للنّبيّ وكفرهم به، أو ينحرفون عن الحقّ؛ قال الزّمخشريّ:"يزورّون عن الحقّ، وينحرفون عنه، لأنّ من أقبل على الشّي ء استقبله بصدره، ومن ازورّ عنه وانحرف، ثنى عنه صدره، وطوى عنه كشحه". وقال ابن عطيّة:"و قيل:"
هي استعارة للغلّ والحقد الّذي كانوا ينطوون عليه، كما تقول: فلان يطوي كشحه على عداوته، ويثني صدره عليها. فمعنى الآية ألا إنّهم يسرّون العداوة، ويتكتّمون بها، لتخفى في ظنّهم عن اللّه، وهو تعالى حين تغشّيهم ثيابهم وإبلاغهم في التّستّر يعلم ما يسرّون"، وهذا أحد الوجهين عند الفخر الرّازيّ."
وعندنا أنّ الوجه الأوّل أولى بالسّياق، وأنّ سياقه