فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 680
سياق قول نوح وقد سبق. كما أنّ حمل الآيات على ظاهرها ما أمكن أولى من حملها على الكناية والمجاز، ويشهد به قوله: أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ، أي إذا طووا صدورهم، واستغشوا ثيابهم، ليستخفوا من الرّسول، فاللّه يعلم ما يسرّون في قلوبهم وما يعلنون. ونصّ رشيد رضا أوفى ببيان المراد، فلاحظ.
الثّالثة: كلّ من حمل الآية على ظاهر اللّغة فسّر يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ بانحنائها وعطفها على البطون قدما، وأرجع الضّمير في"منه"إلى اللّه أو النّبيّ. واختصّ الطّباطبائيّ بقوله:"إنّهم يميلون بصدورهم إلى خلف، ويطأطئون رؤوسهم، ليتخفّوا من الكتاب، أي من استماعه حين تلاوته ..."، أنّهم عكسوا، فردّوا صدورهم إلى خلفهم، وهذا لا يوافق قوله:"و يطأطئون رؤوسهم"، إلّا أن يريد يميلون ظهورهم إلى الخلف. ثمّ قوله:"ليتخفّوا من الكتاب"إرجاع للضّمير إلى الأبعد دون الأقرب، رغم أنّه لا معنى للاستخفاء من الكتاب، إلّا بتكلّف لا يقبله الذّوق السّليم.
المحور الثّاني (2) : (و لا يستثنون) ، وفيه بحوث:
الأوّل: ذكروا له معنيين: 1 - لم يقولوا:"إن شاء اللّه"، ونسبه الرّازيّ إلى جماعة من المفسّرين.
2 -لم يستثنوا من ثمار الجنّة شيئا للفقراء.
وللاستثناء بالمعنى الأوّل شواهد في القرآن، فقد أمر اللّه به في قوله: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْ ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا* إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ الكهف: 23، 24، فعمل اللّه به والأنبياء: في آيات:
قال اللّه: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ... الفتح: 27.
وقال إسماعيل لأبيه لمّا اقترح عليه ذبحه: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ الصّافّات: 102.
وقال شعيب لموسى لمّا أراد أن يستأجره:
وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ القصص: 27.
وقال موسى للخضر: لمّا أراد أن يلازمه: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا الكهف: 69.
وقال بنو إسرائيل لموسى: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ البقرة: 70.
وقال يوسف لإخوته: ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ يوسف: 99.
الثّاني: اختلفوا في وجه تسمية قول:"إن شاء اللّه"استثناء، فقال الطّبرسيّ: أصل الثّني العطف، نقول: ثنيته من كذا، أي عطفته، ومنه: الاثنان، لعطف أحدهما على الآخر في المعنى، ومنه: الثّناء، لعطف المناقب في المدح، ومنه: الاستثناء، لأنّه عطف عليه بالإخراج منه.
وقال الطّوسيّ: قول القائل: لأفعلنّ كذا إلّا أن يشاء اللّه استثناء، ومعناه إن شاء منعني أو يمكّن مانعي، ومثله الطّبرسيّ.
وقال الزّمخشريّ: لأنّه يؤدّي مؤدّى الاستثناء، من حيث إنّ معنى قولك: لأخرجنّ إن شاء اللّه، ولا أخرج إلّا أن يشاء اللّه، واحد.
وقال الفخر الرّازيّ: وأصل هذا من الثّني، وهو