فهرس الكتاب

الصفحة 4314 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 681

الكفّ والرّدّ، وذلك أنّ الحالف إذا قال: واللّه لأفعلنّ كذا إلّا أن يشاء اللّه غيره، فقد ردّ انعقاد ذلك اليمين.

وقال البيضاويّ: وإنّما سمّاه استثناء لما فيه من الإخراج، غير أنّ المخرج به خلاف المذكور، والمخرج بالاستثناء عينه، ثمّ ذكر ما قاله الزّمخشريّ.

والرّأي عندنا أنّ هذه الجملة تأتي غالبا مع"إلّا"الاستثنائيّة، كما أمر اللّه: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْ ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا* إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ، أي أن تقولوا: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ، فهذا من قبيل استعمال العامّ في بعض أفراده، وقد غلب عليه في الشّريعة تبعا لهذه الآية.

الثّالث: وأمّا وجه تسمية"إلّا كذا"استثناء فعن الطّبرسيّ: لأنّه عطف عليه بالإخراج منه.

وعن"تاج المصادر": أنّ الباب يدلّ على تكرير الشّي ء مرّتين، أو جعله شيئين متواليين أو متباينين، والاستثناء من قياس الباب؛ وذلك أنّ ذكره يثنّى مرّة في الجملة ومرّة في التّفصيل، لأنّك إذا قلت: خرج النّاس، ففي النّاس زيد وعمرو، فإذا قلت: إلّا زيدا، فقد ذكرت زيدا مرّة أخرى ذكرا ظاهرا.

وعن الرّاغب: الاستثناء: إيراد لفظ رفع بعض ما يوجبه عموم لفظ متقدّم، أو يقتضي رفع حكم اللّفظ، كما هو.

فيدور الأمر في تسميته"استثناء"بين كونه عطفا، أو تكرارا، أو رفعا لما قبله، والمناسب لمادّة"ث ن ي"هو الأوّل ثمّ الثّاني، والرّاغب إنّما فسّر معناه الاصطلاحيّ، ولم يشر إلى وجه تسميته به.

الرّابع: تعليق العبد فعله المستقبل على مشيئة اللّه بيان للواقع، فإنّ الأمور كلّها بيد اللّه وموكولة إلى مشيئته، وقد دلّت عليه الآيات الكثيرة، فلاحظ"ش ي أ".

فهذا رمز التّوحيد العمليّ، فإذا قال العبد: إنّي فاعل كذا غدا، ولم يقل: إن شاء اللّه، فقد اعتمد على نفسه، واتّكأ على ظاهر الأسباب، ولم يجعل للّه دخلا فيما سيفعله، مع أنّ الأسباب ليست كلّها بيده، بل هي تجري حسب مشيئة اللّه دائما، كما قال الشّاعر:

* تجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن*

فالاستثناء شعار توحيديّ تماما.

وقال الفخر الرّازيّ:"إنّما لم يستثنوا بمشيئة اللّه، لأنّهم كانوا كالواثقين بأنّهم يتمكّنون من ذلك لا محالة".

الخامس: وأمّا تفسير (وَ لا يَسْتَثْنُونَ) بأن لا يستثنون للفقراء سهما، فقد حكي عن عكرمة أوّلا، ثمّ تبعه الآخرون، فذكروه وجها من الوجوه غير قاطعين به، وإنّما رجّحه بعض المتأخّرين، أمّا الطّبريّ فاقتصر على القول الأوّل. وذكر الماورديّ وجها ثالثا نقلا عن أبي صالح، وهو قول:"سبحان اللّه ربّنا"وله شاهد من القرآن، فقد جاء في ذيل القصّة في سورة القلم (26 - 29) : فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ* بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ* قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ* قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ كما أنّ في الآيات (23 - 25) شاهدا على القول الثّاني أيضا: فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ* أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ* وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ. وكذا تشعر به الآيات (12 - 14) قبلها مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ* عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ* أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت