فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 682
السّادس: ولعلّ ما يحلّ المشكلة هو لحاظ قصّة أصحاب الجنّة المذكورة في القرآن والتّفسير:
أمّا القرآن فقد جاء في الكهف (32 - 43) ابتداء من وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ وانتهاء ب وَما كانَ مُنْتَصِرًا. وقد اغترّ صاحب الجنّتين بهما، وأنكر قيام السّاعة، فقال له صاحبه وهو يحاوره ردّا عليه كفره وشركه قائلا له: وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ ... ، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِرًا.
فيحتمل أن تكون آيات سوره القلم إشارة إلى ما في هذه الآيات من سورة الكهف، ويؤيّده أنّ وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ ... هو نوع استثناء وتوكيل لأمر الجنّة على اللّه.
وأمّا التّفسير فقد روى الطّبرسيّ (5: 336) عن سعيد بن جبير أنّ هذه الجنّة- الّتي في سورة القلم- حديقة كانت باليمن في قرية يقال لها:"صروان"، بينها وبين صنعاء اثنا عشر ميلا، وكانت لشيخ كان يملك منها قدر كفايته وكفاية أهله، ويتصدّق بالباقي. فلمّا مات قال بنوه: نحن أحقّ بها لكثرة عيالنا، ولا يسعنا أن نفعل كما فعل أبونا، وعزموا على حرمان المساكين، فصارت عاقبتهم إلى ما قصّ اللّه في كتابه، وهو قوله: إِذْ أَقْسَمُوا أي حلفوا وتعاهدوا فيما بينهم لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ فالآيات في سورة الكهف تؤيّد الرّأي الأوّل، وهذه الآيات تؤيّد الرّأي الثّاني.
السّابع: وفي إعراب (وَ لا يَسْتَثْنُونَ) خلاف، فعند القاسميّ أنّه عطف على (لَيَصْرِمُنَّها) في قوله: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ، وأنّه جزء من المقسم عليها، أي أقسموا ليصرمنّها ولا يستثنون.
وعند البروسويّ أنّ الجملة مستأنفة، أو حال بعد حال، أي هي عطف على (مصبحين) ، لأنّه حال أيضا، وقال:"و جعل ترك الاستثناء حالا منه يفيد أصالته وقوّته في اقتضاء الحرمان".
واستظهر الآلوسيّ:"أنّها- على القولين في معنى الجملة- عطف على (اقسموا) ، أي أقسموا ولم يستثنوا، وأنّه إنّما عدل عن الإقسام إلى ترك الاستثناء استحضارا للصّورة، لما فيها نوع غرابة، لأنّ اللّائق في الحالف على ما يلزم منه ترك طاعة الاستثناء".
فدار الأمر في إعرابه بين أربعة وجوه: عطف على (اقسموا) أو على (ليصرمنّها) أو على (مصبحين) ، أو استئناف. وعندنا أنّ الاستئناف لا وجه له مع ظهور"الواو"في العطف، وأنّه لا معنى للاستئناف في سرد القصّة. والأولى عطفه على (اقسموا) ، لأنّها أوّل القصّة، وذيلها تبع لها، وأولى منه كونها حالا من (اقسموا) بكلا معنييه، أي أقسموا تاركين الاستثناء، وهذا أمسّ وأنسب بالمعنى الأوّل.
المحور الثّالث (3) : ثانِيَ عِطْفِهِ، وفيه بحوث:
1 -في معناه قولان أيضا، كما مضى في يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ، فحمله بعضهم على ظاهره، أي ثنى عنقه أو منكبه أو جانبه، لاحظ (ع ط ف) . وجعله بعضهم استعارة عن كبره وإعراضه عن الحقّ، وقد أرجعهما