فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 683
الطّبريّ إلى معنى واحد.
قال الرّضيّ في توجيه الاستعارة:"لأنّ المستقبل لسماع الشّي ء الّذي لا يلائمه في الأكثر يصرف دونه بصره، ويثني عنه عنقه". وقال الزّمخشريّ:"ثني العطف: عبارة عن الكبر والخيلاء، كتصعير الخدّ وليّ الجيد". وقال ابن عطيّة:"و ذلك أنّ صاحب الكبر يردّ وجهه عمّا يتكبّر عنه، فهو يردّ وجهه، ويصعّر خدّه، ويولّي صفحته، ويلوي عنقه، ويثني عطفه، وهذه عبارات المفسّرين". وقال القرطبيّ:"ثنى فلان عنّي عطفه، إذا أعرض عنك، فالمعنى أي هو معرض عن الحقّ في جداله، ومولّ عن النّظر في كلامه، وهو كقوله:"
وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها لقمان: 7، ولَوَّوْا رُؤُسَهُمْ المنافقون: 5، وأَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ الإسراء: 83، وذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى القيامة:
33.وقال الطّباطبائيّ:"كناية عن الإعراض، كأنّ المعرض يكسر أحد جانبيه على الآخر".
ويبدو أنّ أنصار الرّأي الثّاني في هذه الآية أقوى بيانا وأصلب عودا.
2 -هناك وجه اشتراك وافتراق بين هذه الآية وآية يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ، فكلاهما نزلت بشأن المنكرين للحقّ من هذه الأمّة. وقد مضى أنّ تلك الآية جاءت في شأن الّذين أعرضوا عن استماع الكتاب، وثنوا صدورهم، ليستخفوا عن النّبيّ عليه السّلام. وجاءت هذه الآية في الّذين يجادلون في اللّه بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فيثنون أعطافهم، ليضلّوا عن سبيل اللّه. ولسانها أشقّ وأعتى من الأوّل، لأنّهم كانوا يعرضون هناك، لئلّا يسمعوا كلام اللّه، وهنا يعرضون ليجادلوا الحقّ، وليضلّوا الآخرين عن سبيل اللّه. ولهذا اختلفتا في التّعبير، فثني الصّدور في الأوّل ذريعة لعدم السّماع، وثني العطف في الثّاني ذريعة لردّ الحقّ وإضلال الآخرين.
فالأوّل يصوّر حالة الإعراض والفرار، والثّاني يصوّر حالة الهجوم والخصام.
3 -قالوا في إعراب (ثانِيَ عِطْفِهِ) : إنّه حال عن ضمير الفاعل في (من يجادل) ، أي يجادل وهو ثان عطفه، إعراضا واستكبارا؛ قال ابن عطيّة:"و لا يجوز أن تكون حالا من (من) ، لأنّها ابتداء، والابتداء إنّما عمله الرّفع لا النّصب".
4 -قال الزّجّاج: الإضافة معناها التّنوين، أي ثانيا عطفه، وقال ابن عطيّة:"اضافة غير معتدّ بها، لأنّها في معنى الانفصال؛ إذ تقديرها ثانيا عطفه". ويظهر منهما أنّهما لم يريا في هذه الإضافة وجها؛ حيث لم يعتدّا بها.
وعندنا أنّ الإضافة تصوّر لنا اتّصال إعراضه بجداله أشدّ ممّا لو جاء منفصلا عنه، فإنّ الحال يصوّر دائما حالة الفاعل حين صدور الفعل منه، والإضافة تشدّد هذه الحالة، فلها معنى لا ينبغي إهماله.
5 -عدّ أبو السّعود والآلوسيّ (ثانِيَ عِطْفِهِ) حالا بعد حال، زعما منهما أنّ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ حال عن (يجادل) ، أي أنّه يجادل حال كونه بغير علم ... وحال كونه ثانيا عطفه. وعندنا أنّ (بغير علم) ليس حالا عنه، بل هو متعلّق به تعلّق الجار والمجرور بالفعل، مثل: وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَ المؤمن: 5، وجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ النّحل: 125،