المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 444
لوقوعه في حيّز النّفي، وصحّة دخول (بين) عليه، باعتبار معطوف قد حذف لظهوره، أي بين أحد منهم وبين غيره. [ثمّ استشهد بشعر]
وفيه من الدّلالة صريحا على تحقّق عدم التّفريق بين كلّ فرد فرد منهم، وبين من عداه كائنا من كان، ما ليس في أن يقال:"لا نفرّق بينهم". (1: 129)
الآلوسيّ: (أحد) أصله: وحد، بمعنى واحد؛ وحيث وقع في سياق النّفي عمّ واستوى فيه الواحد والكثير، وصحّ إرادة كلّ منهما. وقد أريد به هنا الجماعة، ولهذا ساغ أن يضاف إليه (بين) ، ويفيد عموم الجماعات، كذا قاله بعض المحقّقين.
وهو مخالف لما هو المشهور عند أرباب العربيّة: من أنّ الموضوع في النّفي العامّ أو المستعمل مع"كلّ"في الإثبات همزته أصليّة، بخلاف ما استعمل في الإثبات بدون"كلّ"فإنّ همزته منقلبة عن واو.
ومن هنا قال العلّامة التّفتازانيّ: إنّ (أحد) في معنى الجماعة بحسب الوضع، لأنّه اسم لمن يصلح أن يخاطب، يستوي فيه المذكّر والمؤنّث والمفرد والمثنّى والمجموع، ويشترط أن يكون استعماله مع كلمة"كلّ"أو مع النّفي.
نصّ على ذلك أبو عليّ وغيره من أئمّة العربيّة وهذا غير الأحد الّذي هو أوّل العدد في قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الإخلاص: 1، وليس كونه في معنى الجماعة، من جهة كونه نكرة في سياق النّفي، على ما سبق إلى كثير من الأوهام. ألا ترى أنّه لا يستقيم، لا نفرّق بين رسول من الرّسل، إلّا بتقدير عطف، أي رسول ورسول، ولَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ الأحزاب: 32، ليس في معنى كامرأة منهنّ. إنتهى.
وأنت بعد التّأمّل تعلم أنّ ما ذكره العلّامة لا يرد على ذلك البعض، وإنّما ترد عليه المخالفة في الأصالة وعدمها فقط. ولعلّ الأمر فيها سهل، على أنّ دعوى عدم تلك الاستقامة إلّا بذلك التّقدير غير مجمع عليه.
فقد ذكر في"الانتصاف"أنّ النّكرة الواقعة في سياق النّفي تفيد العموم لفظا عموما شموليّا حتّى ينزل المفرد فيها منزلة الجمع في تناوله الآحاد مطابقة، لا كما ظنّه بعض الأصوليّين من أنّ مدلولها بطريق المطابقة في النّفي كمدلولها في الإثبات، وجعل هذا التّعدّد والعموم وضعا هو المسوّغ لدخول (بين) عليها هنا.
ومن النّاس من جوّز كون"أحد"في الآية بمعنى"واحد"، وعمومه بدليّ، وصحّة دخول (بين) عليه باعتبار معطوف قد حذف لظهوره بين أحد منهم وغيره.
وفيه من الدّلالة على تحقّق التّفريق بين كلّ فرد فرد منهم، وبين من عداه كائنا من كان، ما ليس في أن يقال:
لا نفرّق بينهم، ولا يخفى ما فيه. (1: 395)
2 -... لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ... البقرة: 285
ابن قتيبة: (أحد) في معنى جميع، كأنّه قال:
لا نفرّق بين رسله، فنؤمن بواحد، ونكفر بواحد. (100)
نحوه الزّمخشريّ. (1: 407)
ممّا يخالف ظاهر اللّفظ معناه"واحد"يراد به جميع، كقوله تعالى: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ والتّفريق