فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 730
23 -وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا نوح: 7
يلاحظ أنّ فيها ثلاثة محاور:
المحور الأوّل: بمعنى الثّواب، وفيه بحوث:
1 -جاء الفعل من باب"الإفعال"معلوما (3) مرّات في (1) و (2) و (3) ، ومن باب"التّفعيل"مجهولا مرّة واحدة في (4) ، والفاعل هو اللّه في المعلوم، وفي المجهول أيضا محذوفا.
2 -اثنتان من هذه الأربع- وهما (1) و (2) - في الدّنيا، إحداهما عذاب، والأخرى ثواب، واثنتان منها- وهما (3) و (4) - في الآخرة. كذلك: إحداهما ثواب والأخرى عذاب.
3 -يبدو أنّ صيغة"التّفعيل"في (4) للتّشديد والمبالغة، وقد أكّدهما الفعل المجهول، لأنّ الجهل بالفاعل يشدّد معنى الفعل نظير وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا الأحزاب: 61.
4 -اختلفوا في إعراب هذه الآية، وفي معناها، وفي الاستفهام:
أمّا إعرابها فقيل: إنّ محلّها نصب ب (ينظرون) في قوله: عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ،* أي إنّ المؤمنين وهم على أرائكهم في الجنّة ينظرون إلى الكفّار في النّار- هل جوزوا بما عملوا في الدّنيا من الاستهزاء بالمؤمنين، ليسرّوا بذلك؟ وقيل: إنّها مستأنفة- قولا من اللّه أو الرّسول أو المؤمنين بعضهم لبعض- هل الكفّار جوزوا بما عملوا؟ و"ما"على القولين إمّا مصدريّة أو موصولة، والعائد محذوف، وكذلك (الباء) ، أي بما كانوا يفعلونه.
وأمّا معناها: هل الكفّار جوزوا العذاب بعملهم- لو أريد بالثّواب معناه الأعمّ وهو الجزاء، أو أريد به الثّواب تهكّما وسخريّة- أو هل الكفّار أثيبوا بأعمالهم بمثل ما أثيب المؤمنون بأعمالهم؟ وعليه فالثّواب بمعناه الخاصّ.
وعندنا أنّها متعلّقة ب (ينظرون) ، وليست مستأنفة، وإلّا يبقى (ينظرون) بلا متعلّق. ومعناها- كما قال الطّباطبائيّ- المؤمنون على سرر في الحجال، ينظرون إلى جزاء الكفّار بأعمالهم الّتي كانوا يفعلونها في الدّنيا. وعليه فحذف"إلى"كما حذف مدخولها، أي الكفّار، اكتفاء بالجملة الاستفهاميّة الّتي وضعت موضع متعلّق (ينظرون) .
وسواء كانت (ما) موصولة- وهو الأقرب، لوجود (كانوا) - أم مصدريّة، فالباء مقدّرة، أي ثوّبوا بما كانوا يعملون، ولنا أن نفرّق بين الفعل المعلوم والمجهول، أو بين"ثوّب"و"أثاب"بلزوم"الباء"في الثّاني دون الأوّل.
ولكنّ الزّمخشريّ قال:"ثوّبه وأثابه؛ إذا جازاه".
ولنا القول: بأنّ"ثوّب"من"المثابة"بمعنى الرّجوع، أي هل رجع الكفّار عن تكذيبهم، أو من"الثّوب"، أي هل ألبس الكفّار ثوب العذاب على أعمالهم؟ فبعيد جدّا.
وأمّا الاستفهام فقيل: إنّه سؤال المؤمنين الكفّار- بناء على الاستئناف- حقيقة أو توبيخا لهم، هل جوزوا بأعمالهم؟ أو هل رجعوا عن أعمالهم؟ أو هل رجع اللّه في عذابهم، ظنّا بكرم اللّه بهم؟ فكلّ ذلك بعيد عن السّياق، لأنّا فضّلنا أنّها متعلّقة ب (ينظرون) ، فالاستفهام حقيقيّ، وهو حديث نفس للمؤمنين، لينظروا ما يؤول إليه حال الكفّار.